تحليل مفهوم الكسب
الجزء ١ · صفحة ٤٣٠تحليل مفهوم الكسب
وقبل أن يزيد موقف الكسب توضيحا يحسن أن نشير إلى ظهور موقفين جديدين يتماشيان مع ما أشرنا إليه عند الاباضية من توسط وهما رأي الأشعري والماتريدي وهذان الرأيان تبلورا في ما بعد في المدرستين الأشعرية والماتريدية.
أما الأشعري" فالكسب عنده ينتهي إلى أن للعبد إرادة وقدرة حادثة فإذا توجهت إرادة العبد نحو عمل ما خلق الله قدرة العبد وخلق معها الفعل، فقدرة العبد مهمتها كسب الفعل وقدرة الله مهمتها خلق الفعل وهكذا فإن الإنسان قد منحه الله قدرة كاسبة ليس لها تأثير في خلق الفعل وإنما يفيض الله عليها هذه القدرة الحادثة فتكتسب الفعل بقدرة الله وهذا القصد أو الجزم هو مناط التكليف والثواب والعقاب" (21)
وبما أن هذه القدرة لا أثر لها في إيجاد الفعل فإن عنصر الاختيار ينتفي وبعبارة أخرى فإن كان الكسب نفسه مخلوقا لله تعالى مثل الفعل نفسه فذلك يؤدي حتما إلى الجبر ولهذا صار كسب الأشعري مضرب المثال في الخلفاء فيقال: أخفى من كسب الأشعري ومهما يكن من أمر يبقى الفرق بين الخلق والكسب في أن الخلق يحيط بالمخلوق من كل وجه بينما الكسب لا يفرض إحاطة الكاسب بالمكسوب من كل وجه. (22)
أما الماتريدي فهو أيضا قد قال بالكسب ومن ذلك ما جاء في كتاب التوحيد:" وليس في إضافتنا (الأفعال) لله سبحانه نفي لمشاركة الإنسان بل هي لله خلقا وإيجادا وللإنسان كسبا واختيارا" (23) .
ويرى الماتريدي أن المؤثر في أصل الفعل قدرته تعالى، وفي وصفه قدرة العبد فإذا ضرب زيد يتيما تأديبا أو ظلما فأصل الفعل وهو الحركة المشتركة بين الضربين مخلوق بقدرته تعالى، وكون الضرب طاعة وحسنا في الأول ومعصية وقبحا في الثاني حاصل بتأثير قدرة العبد وهذا التأثير يسميه الماتريدية الاختيار وسماه أحيانا الكسب (24) .