البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الأطروحة) فرحات بن علي الجعبيري

تحليل مفهوم الكسب

الجزء ١ · صفحة ٤٣١

والمقارنة بين الكسبين تثبت أن نسبة الاختيار أوسع عند الماتريدي.

ومعلوم أن تحليل المدرستين للكسب بلور هذا المفهوم عبر الزمن (25) وليس لنا أن نتوسع في ذلك لكن قد نشير إلى مواقف بعض الأعلام من المدرستين خلال تفاعلها مع الفكر الاباضي وتجدر الملاحظة أن التعايش الفكري ظل واضحا بين هاتين المدرستين والفكر الاباضي على خلاف ما كان بينه وبينهما من تنافر في قضية الذات والصفات وقضية خلق القرآن. (26)

وبعد هذه اللمحة التي تساعد على تفهم تفاعل المدارس الإسلامية في ما بينها وكيف أنها تخدم بعضها البعض حتى وإن تنافرت، يحسن أن نذكر بأن مفهوم الكسب اتضح عند الاباضية في القرن السادس هـ /12م (27) ونكتفي ما جاء في كتاب الموجز عند الرد على القدرية والمجبرة للتدليل على ذلك:" قال جميع الفرق من أهل القبلة الخوارج والاباضية والشيعة والمرجئة: إن العالم وما فيه من جوهر وعرض وخير وشر وطاعة ومعصية ما يرى من ذلك وما لا يرى مما كان منه ومما سيكون- وما يتوهم كونه- أن لو كان كيف كان يكون، فهو خلق الله وتدبير له، والله المقدر لجميع ذلك والمدبر له، وهو الصانع له، والمالك وليس شيء منه بخارج من تدبير الله، وتقديره وملكه وسلطانه وإرادته وعلمه ما يضاف إلى العباد من ذلك وما لا يضاف إليهم وليس في أنه مضاف إلى العباد بأنهم إكتسبوه واختاروه وتحركوا به، وسكنوا وأطاعوا به وعصوا ما يزيل تدبير الله عنه، ولا ما يخرجه من خلقه وتقديره وقدرته، وسلطانه وعلمه، كما انه ليس تدبير الله لذلك وخلقه له، وجعله على ما هو له من كيفية في عينه، وبالذي يزيل عنه أن يكون كسبا للعباد واختيارا لهم، وهذا الذي ذكرناه من هذا القول هو ما عليه جمهور الأمة وصدر الإسلام" (28) .

٤٣١ / ٧٤٦