تحليل مفهوم الكسب
الجزء ١ · صفحة ٤٣٢وجاء فيه أيضا أثناء الرد على الجهمية المجبرة:" وقال أهل الحق: إن الله قدر جميع الأفعال وخلقها، وقضاها من فاعليها ولسنا نقول إنه جبر أحدا على ما كان منه من طاعة أو معصية، ولا نقول إن أحدا أوتي في شيء من التقصير عن طاعة ربه من قبل الله في تقديره لما كان منه من فعله ولا قضائه، ولا علمه أنه سيكون منه، والجبر منع واستكراه ولم نر أحدا من العاملين للطاعة والمعصية مستكرهين على شيء من فعلهم وهم لكل ما فعلوه من ذلك مريدون ولجميع ما أتوا من الفعل المفعول عن المتروك مختارون وإليه قاصدون فبطل بذلك قول جهم من قال بقوله من أصناف المجبرة" (29) .
من خلال هذين النصين وقد أوردناهما على طولهما لما رأينا فيهما من احتراز وتدقيق نتبين أن نسبة الاختيار في الكسب جلية في الفكر الاباضي وفي ذلك بيان للحكمة من الأمر والنهي، والثواب والعقاب، وقد جاء في كتاب السؤالات ما يلي:" ستة مبطلة للجبل والجبر مثبتة للاختيار والاكتساب:" الأمر والنهي، والحمد والذم، والثواب والعقاب" (30) .
ويتضح مبدأ تبني مفهوم الكسب في القرن السابع هـ/ 13م مع أبي نصر القائل في نونيته التي ما يزال صداها الى اليوم في الأوساط الإباضية فهي من المتون التي تحفظ من الصغر على نغم أشبه ما يكون بنغم المدائح:(طويل)
(31)
وكذلك في القرن الثامن هـ/14م مع عامر الشماخي في كتاب الديانات حيث يقول:" وندين بأن أفعال العباد اكتسبوها وعملوها ولم يجبروا عليها ولم يضطروا إليها" (32) ، والملاحظ أنه أورد هذا في باب العدل لنفي الظلم عن الله ولم يذكره في باب القدر إلا أنه لم يغفل في باب القدر عن نسبة خلق أفعال العباد الى الله:"…وندين بأن الله خالق أفعال العباد ومحدثها ومريدها" (33) .