سورة النّساء
الجزء ٤ · صفحة ١٤٢ولعلّ أقرب الأقوال إلى الضبط هو القول بأنّ كل جريمة تؤذن بقلّة اكتراث مرتكبها بالدّين وبضعف إيمانه تعدّ كبيرة، فهؤلاء قد أدخلوا العنصر النّفسي في ارتكاب الذّنب، وهو ملحظ له أهميته في تزكية النّفس أو تدسيتها باعتبار دوافع النّية التي هي مناط القبول أو الرّفض عند الله. وعلّل الذين لم يميّزوا بين النّوعين بأنّ الله تعالى لم يميّز بينهما ليكون ذلك زاجرا للناس عن الإقدام على كل ذنب، كما أخفى ليلة القدر وساعة الاستجابة يوم الجمعة، ولكن هذا التّعليل واه للفرق بين الموقفين في التّرغيب إلى فضائل الأعمال وفعل الخير، بينما التّحذير من فعل الشّرّ يقتضي أن يكون معلوما لدى المنهيين.
وقد استشكل بعضهم تكفير اجتناب الكبائر للسّيئات لأنه أمر سلبيّ عدمي، بينما تكفير الحسنات وإذهابها للسّيئات كما صرّح به القرآن فظاهر معقول. وقد أجاب الإمام الغزالي عن ذلك بقوله: "اجتناب الكبيرة إنّما يكفر الصغيرة إذا اجتنبها مع القدرة والإرادة، كمن يتمكّن من امرأة ومن مواقعتها فيكفّ نفسه عن الوقاع فيقتصر على نظر أو لمس".
قلت: ويؤيّده قوله عليه السلام في حديث: "سبعة يظلهم الله: فذكر الرّجل تدعوه امرأة ذات حسن وجمال فقال: إني أخاف الله ربّ العالمين"(1)، لأن فعل الإرادة وقوتها الدّافعة في النّفس البشرية داعية لتركيز الملكة والعادة في نفس المريد فتنغرز بذلك خشية الله في القلب فلا يجرؤ على المخالفة والتّحدّي، وذلك هو الأثر الحميد للإيمان إذا ما وقر في القلب حين يصدّقه العمل.
(1) 1 - رواه البخاري من حديث أبي هريرة، كتاب الجماعة والإمامة، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد، حديث 628، 1/ 234. ورواه مسلم من حديث أبي هريرة، كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة، حديث 1031، 2/ 715.