سورة النّساء
الجزء ٤ · صفحة ٢٠٨الآية معطوفة على القسم الأول من الصّالحات وما أضفى الله عليهن من الصّفات الحميدة، وقد ذكر الله فيها الأحوال المضادة للصّلاح وهو النّشوز، أي عصيان المرأة زوجها والتّرفّع عليه وإظهار كراهيته، وقد يطرأ ذلك عليها بعد أن عاشرته بالحسنى، وتتعدّد أسباب ذلك من امرأة إلى أخرى. وفي كلّ حالة ومهما تكن الأسباب فإن وضعية البيت تضطرب، ويختلّ نظام التّعامل بين الاثنين، حين يصبح الرّئيس لا يُطاع فتكون المرأة كالنّاشز من الأرض الذي خرج عن الاستواء.
وقوله تعالى: (تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ) أي توقّع عواقبه السّيئة مع ظهور بوادر التّمرّد والعصيان، لا مجرّد المغاضبة التي تحدث أحيانا بين الزّوجين، ثم تزول بحسن العشرة، فالخوف هنا يعني توقع حصول ما يضرّ بالحياة الزّوجية، وقد عدل التّعبير القرآني عن قوله مثلا: واللاتي نشزن، لأن ذلك ليس من شأنه أن يقع لأنه خروج عن نظام الفطرة الذي يضمن السّكن والمودة والرّحمة كما يريده الله تعالى، ولعلاج ذلك وضع القرآن المنهج الآتي على الترتيب:
أ) - البدء بالوعظ المؤثر: ووسائل التّأثير تختلف من امرأة إلى أخرى، وتظهر هنا سياسة الرّجل وحنكته في فهم طبيعة زوجته ومزاجها، بحيث يتوخّى في نصحه ما يناسب ذلك الطّبع من حيث القساوة واللّين، ومن حيث التّأثير والإغراء.
ب) - الهجر والإعراض في المضجع: حتى يهيج شعور الزوجة فتكفكف من غلوائها وتهبط من عليائها حين تسأله عن السّبب وحتى تسكن نفس كل منهما إلى الآخر بعد التّفاهم على إزالة أسباب التّوتر، فإن لم يفد ذلك فله أن يجرّب.
ج) - الضّرب غير المبرّح: وقد ورد عن بعض الصّحابة أنهم فعلوا ذلك في غير ظهور الفاحشة، غير أن النّاس متفاوتون في ذلك على حسب عاداتهم وبيئاتهم، ولذا يرى المحققون أن الأمر محمول على الإباحة، لأن القرآن نزلت أحكامه لكلّ من البدو والحضر، والبدو قد لا يعدّون ضرب المرأة اعتداءً، يقول أحد شعرائهم: