نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة النّساء

الجزء ٤ · صفحة ٢٣٩

وعلى هذا الاحتمال يكون حرف "اِنَّ" في موقع التّعليل، أي: يا أهل الكتاب آمنوا بالقرآن قبل أن ينزل بكم العذاب لأن الله يغفر ما دون الإشراك به. ولا يقال بأن من أهل الكتاب كفارا ومشركين إذ قال البعض منهم عزير بن الله والمسيح بن الله، لأن الله تعالى قد رضي منهم البقاء على دينهم إذا دخلوا في ذمة الإسلام بأداء الجزية.

وإذا قلنا إن الجملة مستأنفة، فتقع معترضة بين قوارع أهل الكتاب ومواعظهم فيكون حرف "إن" لتوكيد الخبر المقصود منه الحكم التّكليفي.

وأغلب المفسرين على أن الآية ابتدئت بمحكم وهو قوله تعالى: (اِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُّشْرَكَ بِهِ)، وذيّلت بمتشابه وهو قوله: (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَّشَآءُ)، وأحسن ما قيل في ترتيب أصناف النّاس إزاءها ما قاله ابن عطية: النّاس أربعة أصناف:

أ) - كافر مات على كفره، فهو مخلّد في النّار بإجماع.

ب) - ومؤمن محسن لم يذنب قط ومات على ذلك فهو في الجنة محتوم عليه حسب الوعد من الله بإجماع.

ج) - تائب مات على توبته فهذا عند الجمهور لاحق بالمؤمن المحسن.

د) - مذنب مات قبل توبته فهذا هو موضع الخلاف:

ثم ذكر أوجه الخلاف عند المتكلمين: أهل السّنة، والمرجئة، والمعتزلة، والخوارج.

وأيا كان الخلاف الكلامي في هذه القضية الحساسة فإن التّعلّق بالإجمال الوارد في هذه الآية وحدها لا يحلّ المشكل إذا لم نعتمد في بيان هذا المجمل على الأدلة الأخرى من الكتاب والسّنة حتى لا نقع في التّعسّف والمجازفة بضروب من التّأويلات البعيدة، فإن المراد بالإشراك هنا ما يضادّ معنى التّوحيد كما هو المتعارف في أسلوب القرآن.

ويتفرع عن الإجمال الوارد في قوله تعالى: (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَّشَآءُ) في شأن المذنب إذا مات ولم يتب، يتفرع ما يلي على الخلاف الكلامي بين المسلمين.

١٬١٠٢ / ٦٬٧٦٧