سورة النّساء
الجزء ٤ · صفحة ٣٢٩ذكرت في أسباب النّزول روايات تذكر أن الآية نزلت في فريق من المهاجرين السّابقين، وفيهم بعض خيار الصّحابة ومن المبشّرين بالجنّة من لا تصحّ نسبة تلك المواقف إليهم إطلاقا مما حدا ببعض المفسرين القدامى أن يجعلها خاصة باليهود كما ورد عنهم في سورة البقرة قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإَِ مِنْ بَنِي إِسْرآئيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيءِ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ قَالَ هَلْ عَسِيتُمُ (إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدُ اُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوِاْ اِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) (البقرة:246).
وللشّيخ رشيد رضا توجيه سديد للآية وتعليل مقبول لموقف هؤلاء إذ يقول-رحمه الله-: "والظاهر أنّ الآية في جماعة المسلمين وفيهم المنافقون والضعفاء، ولا شكّ أن الإسلام كلّفهم مخالفة عادتهم في الغزو والقتال لأجل الثّأر، ولأجل الحمية والكسب، وأمرهم لكفّ أيديهم عن الاعتداء، وأمرهم بالصّلاة والزّكاة، وناهيك بما فيهما من الرّحمة والعطف، حتى خمدت من نفوس أكثرهم تلك الحميّة الجاهلية، وحلّ محلّها أشرف العواطف الإنسانية وكان منهم من يتمنّى لو يفرض عليهم القتال. ولا يبعد أن يكون عبد الرحمان بن عوف وبعض السّابقين رأوا تركه ذلاّ وطلبوا الإذن به؟، ولا يلزم من ذلك أن يكونوا هم الذين أنكروه بعد ذلك خشية من النّاس، بل ذلك فريق آخر من غير الصّادقين".(1)
(1) 1 - محمد رشيد رضا، تفسير المنار، 5/ 264.