سورة النّساء
الجزء ٤ · صفحة ٣٥٩(فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا اِلَيْكُمُ السَّلَمَ): فجعل تعالى الشّرط في عدم قتالهم من طرف المسلمين هو أن تعتزل هذه الطّائفة المستثناة بنوعيها، تعتزل قتال المسلمين اعتزالا مضمونا موثوقا به لديهم فلا سبيل لهم إطلاقا في الاعتداء عليهم لأن الله تعالى أمر المسلمين أن لا يقاتلوا إلا من يقاتلهم فقال تعالى: (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ الذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة:190).
ثم قال تعالى: (سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَّامَنُوكُمْ وَيَامَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّواْ إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُواْ فِيهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُبِيناً):
وهذه طائفة مذبذبة لأنها حريصة على خاصّة نفسها فلبست لباس النّفاق، فهي تُظهر المودّة للمسلمين وتظهر الإيمان على قدر حاجاتها ومصالحها، حتى إذا رجعت إلى قومها ارتدت إلى الكفر والضّلال فعبدت الأصنام وتولّت عن ذكر الله، (كُلَّمَا رُدُّواْ إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُواْ فِيهَا)، وما أروع التّعبير بكلمة الفتنة في هذا المقام، وأية فتنة هي أعظم من الفتنة في الدّين، وأية مصيبة هي أشد من المصيبة فيه، فاللّهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا.