سورة النّساء
الجزء ٤ · صفحة ٣٦٢أ) - ففي الحالة الأولى: التي يقتل فيها المؤمن بين أهله وذويه المؤمنين -أي في دار الإسلام- على القاتل حقان: حق لله وحق لأولياء القتيل. ولما كان حقّ الله أولى بالتّقديم ذُكرت الكفارة التي هي عبارة عن عتق رقبة مؤمنة، وقد حرص الإسلام أشدّ الحرص في إزالة عادات الجاهلية من تعدّد وسائل الرّقّ فأبطلها جميعها ما عدا الأسر في الحروب، ثم وضع من تشريعاته الحكيمة ما ينقص به هذه الظّاهرة الاجتماعية التي لا تليق بكرامة البشر. وعتق الرّقبة المؤمنة هو تعويض للنّفس المفقودة، لأن الحرية حياة معنوية للعبد، وقد اختلف العلماء في تحديد معنى الإيمان المشروط في عتق الرّقبة المؤمنة فقالوا: هو كلّ من يصلّى عليه إذا مات. ويبدو أن هذا الضّابط الذي وضعه العلماء يخرجنا من متاهات الخلاف الكلامي في تحديد معنى الإيمان.
وأما الحق الثّاني: فهو دفع الدّية لأولياء القتيل جبرا لخواطرهم وتعويضا لما فاتهم من المنفعة، ودرءا لكل عداوة تقع بينهم، وكانت الدّيّة معروفة عند العرب يحقنون بها الدّماء وإن كانوا يرون أخذها في القتل العمد عاراً، وأما في القتل الخطأ فلا يستنكفون عن أخذها، ولم يفصّل القرآن مقدارها، وكان العرب يقدّرونها بما يتراضون عليه وتدفعها العاقلة أقساطا يقول زهير:
تعفّى الكلوم بالمئين فأصبحت ينَجّمها من ليس فيها بمجرم.