سورة النّساء
الجزء ٤ · صفحة ٤٠٧(وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ' لَهَمَّتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمُ (أَنْ يُّضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلآَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً):
بعد بيان هذه القواعد العامّة التي تركّز موازين العدل وتخطّ المسلك الممهّد للتّائبين يخاطب الله تعالى رسوله ممتنّا عليه بما حباه من الفضل والرّحمة، بأن كشف له ما وقع من الأمر المبيّت لدى أولئك الخائنين، وبذلك كان ثباته على طريق الحق والعدل الطّريقة التي يعامل بها عباده والتي يجب أن تسود بينهم في معاملة بعضهم لبعض تخلّقا بأخلاق الله. والتّعبير بـ"لولا" -وهي تفيد الامتناع للوجود- يدلّ على أن همّ هؤلاء في إضلال الرّسول لم يقع كما تثبت ذلك الرّوايات الصّحيحة، بأن الرّسول لم يحكم بشيء عند سماعه لدعوى هؤلاء حتى كشف الوحي حقيقة الأمر.
(وَمَا يُضِلُّونَ إِلآَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ): ومن أظلم لنفسه ممن اختار سبيل الغيّ والضّلال بعد أن عرف سبيل الهدى والرّشاد، وهو إذ يكون سببا لإهدار حرمة مجتمعه بما يبث فيه من شرور وما يتسبّب في صرحه من شروخ، إنما يكون في الحقيقة قد أضرّ بكذبه عامّة النّاس فكيف به إذا حاول إضلال من هو في قمة ذلك المجتمع على مستوى قياداته الرّشيدة؟. فكم من أنواع المكائد التي دبّرها المشركون ليصدّوه بها عن سبيل الله وإبلاغ دعوته، فلم تثن من عزمه، بل مضى قدما يتخطاها وقد كفاه الله كيدهم كما وعده بذلك في هذه الآية الكريمة: (وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ): وكما في آية سورة المائدة: (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاس) (المائدة:67).