نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة النّساء

الجزء ٤ · صفحة ٤٥١

وقد يطغى على الإنسان حبّ الذّات، أو تتحرّك داعية العصبية لذوي قرابته ورحمه، أو تغويه التّمايزات الاجتماعية المفتعلة من الفقر والغنى أو الجاه والحسب، فيميل عن الحق بتحريف الشّهادة أو كتمانها، ولذا أكمِل الأمر الإلهي بـ"لو" الوصلية فقال تعالى: (وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمُ (أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالاَقْرَبِينَ) بمعنى قوموا بالقسط وكونوا شهداء لوجه الله في ما هو حق ولو كان ذلك على أنفسكم أو الوالدين والأقربين، مما يدلّ على أن المألوف في عادة الجاهليين أنهم ينتصرون لرهطهم وقبيلهم ويعتبرون ذلك من الشّهامة.

والتّنصيص على الوالدين والأقربين بالخصوص لرفع اللّبس من أن ذلك منافٍ للبرّ بالوالدين والإحسان إلى الأقربين، وبما أن الشّهادة على الغير في إحقاق الحق تستلزم أن يكون الشّاهد قائما بالقسط في تصرفاته وأعماله أوّلا حتى يكون عدلا في شهادته، جاء الأمر بذلك مقدّما على الإدلاء بالشّهادة.

ولا تقتصر المحاباة على داعية القرابة والعصبية القبلية بل هناك دواع أخرى من العادات الاجتماعية التي تفرّق بين الغنيّ والفقير، وبين الوجيه والحقير، قد تتخذ ذرائع في اضطراب ميزان العدل، ولذا جاءت الآية المستأنفة في قوله تعالى: (إِنْ يَّكُنْ غَنِيّاً اَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا) بمعنى إن يكن المقضيّ له أو عليه أو المشهود له أو عليه غنيا أو فقيرا فلا يمنع ذلك من إقامة العدل وإحقاق الحق، لأن الله تعالى أولى بهما، فليس يهمّكم حالهما من الغنى والفقر، والخير كل الخير في مرضاة الله إذ لا يشرّع لكم إلا ما فيه مصلحة الجميع، وفي ذلك رحمة للغني والفقير كليهما.

١٬٣١٤ / ٦٬٧٦٧