سورة النّساء
الجزء ٤ · صفحة ٤٥٩ثم ذكّر الله المؤمنين بواجبهم في تحصين معتقداتهم والمحافظة على مقدراتهم أزاء ما يروّجه أعداء الإسلام من الإشاعات والشّبهات حول آيات الله هزءا وسخرية فقال تعالى: (وَقَدْ نُزِّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنِ اِذَا سَمِعْتُمُ (ءَايَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فََلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمُ (إذاً مِّثْلُهُمُ (إِنَّ اللهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً):
يبدو من إحالة الله إلى ما نزّل على المؤمنين من الكتاب في هذا الشّأن، أنهم يعملون ذلك من قبل فجاء هذا الإخبار لتذكيرهم بذلك، أي تأكيد تحذيرهم من مخالطة الكافرين في مجالسهم وذلك في مثل قوله تعالى في سورة الأنعام: (وَإِذَا رَأَيْتَ الذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَايَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) (الأنعام:68). ويجيء التّحذير هنا مقرونا بالتّهديد، ونهي الله المؤمنين عن مجالسة الذين يخوضون في الكفر بآيات الله والاستهزاء بها، إلى غاية أن يكفّوا عن ذلك، وقوله تعالى: (إِنَّكُمُ (إذاً مِّثْلُهُمُ) هو من باب قولهم: الرّاضي بالشّيء كفاعله، مما يدلّ على أن السّاكت عن المنكر شريك في الإثم.
ولمّا كان المنافقون لا يجرؤون على الهزء بآيات الله جهارا، فإنهم يسرّون لسماع ذلك من المشركين إشفاء لغليلهم، ومجالسة المؤمنين لهؤلاء هي نوع من الموالاة ربّما أدّت إلى ما هو أبعد من ذلك من المناصرة والرّكون إلى الكفار. فجاء هذا النّهي الإلهي سدّا لكل ذريعة إلى ذلك، وإظهارا للتمايز الذي يجب أن يكون بين المؤمنين الأوفياء والمنافقين الإمّعات، لأن المواقف التي يتخذها النّاس إنما هي نتيجة لحالاتهم النّفسية والتّوجّهات العاطفية.