سورة النّساء
الجزء ٤ · صفحة ٤٨٦(وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ): قرأه الجمهور: (وَالْمُقِيمِينَ) بالنّصب على الاختصاص وهي القراءة الصّحيحة المشهورة. وهناك قراءة شاذة بالرّفع: قرأ بها جمع من الصّحابة والتّابعين، غير أنه لا تردّ قراءة الجمهور المجمع عليها بقراءة شاذة. (أُولَئِكَ سَنُوتِيهِم): قرأ الجمهور بنون العظمة وقرأه حمزة وخلف بياء الغيبة على أن يعود الضّمير إلى اسم الجلالة في قوله تعالى: (وَالْمُومِنُونَ بِاللهِ).
د) - البيان والتّفسير:
تقدّم أن متعلّق (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ): إما محذوف ذلّ عليه السّياق، وإما هو قوله تعالى في هذه الآية: (حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ اُحِلَّتْ لَهُمْ) ولطول الفصل بين الجارّ ومتعلّقه، أعيد حرف الجرّ هنا فقال تعالى: (فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذِينَ هَادُواْ) فعلى الاحتمال الأول من اختلاف المتعلق وهو الأرجح، والله أعلم.
تكون الآيات السّابقة قد بيّنت ما كان من اليهود من الجرائم الكبرى التي استحقوا به اللعنة والتشتت مثل نقضهم لعهد الله وقتلهم الأنبياء، ثم فرّع عنها هذه الآيات التي تبّين عقاب الله لهم على ما دون ذلك من سيّئاتهم. وعلى الاحتمال الثّاني من كون متعلق الجاِرين في الآيات السّابقة واللاّحقة هو قوله تعالى: (حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ اُحِلَّتْ لَهُمْ)، فيكون ما ذكر من سيئاتهم في ما سبق وما لحق بيانا للظّلم المبهم بصيغة التّنكير، وقد وضّحت الآية أنواع ذلك الظّلم بأنه يتمثل في إعراضهم عن الحق إذا اعتبرنا فعل "صدّ" لازما، أوصدّهم النّاس عن سبيل الله بأنواع من الدّس ّوالتّشويه، أو الخداع والتّمويه. وفي كلتا الحالتين هم مؤاخذون بما فعلوه، لأن المطلوب منهم أن يكونوا قدوة لغيرهم في الصّلاح والتّقوى وهم الآخذون لعهد الله وميثاقه، وهم الذين قالوا لربّهم: (إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ) (الأعراف:156).