سورة النّساء
الجزء ٥ · صفحة ٢بعد محاجّة اليهود لمغالاتهم في إنكار نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم وتحقيرهم لعيسى عليه السلام، توجه الخطاب الإلهي إلى النّصارى في استئناف ابتدائي، وبما أنهم أفرطوا في تقديس عيسى حتى اعتبروه جزءا من الإله جلّ وعلا، جاء نهيهم على الغلوّ في الدّين: (يَآأَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ)، قال الإمام ابن عاشور: "والغلوّ في الدّين أن يظهر المتديّن ما يفوت الحدّ الذي حدّد له الدّين، ونهاهم عن الغلوّ لأنه أصل لكثير من ضلالهم وتكذيبهم للرّسل الصّادقين، وغلو أهل الكتاب تجاوزهم الحدّ الذي طلبه دينهم منهم، فاليهود طولبوا باتباع التّوراة ومحبّة رسولهم، فتجاوزوه إلى بغضة الرّسل كعيسى ومحمد عليهما السلام، والنّصارى طولبوا بإتباع المسيح فتجاوزوا فيه الحدّ إلى دعوى إلهيته أو كونه ابن الله مع الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم".(1)
قلت: وجاء الإسلام دين الوسطية والاعتدال بين مادية اليهودية وروحانية المسيحية، فلا إفراط ولا تفريط في تصوراته العقدية وفي أحكامه العملية، قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمُ (أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) (البقرة:143). ويقول رسول الإسلام عليه السلام: «إن هذا الدّين متين فأوغل فيه برفق، ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والرّوحة، وشيء من الدّلجة»(2)، ثم إن من أسس العقيدة الإسلامية أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله.
(وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ): لأن الكذب على الله بما لم ينزّل به سلطانا كفر وضلال كادعاء الألوهية للمسيح، وأي غلوّ في الدّين أشنع من هذا الكذب على الله؟.