سورة المائدة
الجزء ٥ · صفحة ٣٦وكم للناس قديما وحديثا من مثل هذه العادات الوهمية الباطلة، وإن تعددت أشكالها، يولع بها من ضَعُف إيمانهم وصغرت عقولهم، وما الطّيرة والتّشاؤم إلا من هذا القبيل الذي نهى الإسلام عنه، لما فيه من الحيف والظّلم والافتراء على الله أحيانا، والإسلام دين البصيرة والحكمة والعلم، نهى عن هذه الأشياء التي تستعبد الإنسان وتكبّل طاقاته حين يبقى أسير الأوهام والخرافات، غير أنه لا يصادم ما فطر عليه من حبّ الإطلاع والكشف عن أسرار الوجود، وهو عجول من طبعه في الحصول على ما يطمع إليه.
ولكي لا يكبت فيه تلك الرّغبة التي هي ضرورية في بعض الحالات، فقد شرع الله صلاة الاستخارة لتملأ هذا الفراغ النّفسيّ في الإنسان عندما يقف على عتبة المجهول، وقد كان أصحاب رسول الله -وهم يعيشون ذلك التّغيير الشّامل في معتقدهم وسلوكهم الفرديّ والجماعيّ- شديدي الحرص في التّلقي عن رسول الله، فقد روي جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة كما يعلّمنا السّورة من القرآن يقول: «إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إنّي أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علاّم الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فأقدره لي، ويسّره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه، وأقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به، قال ويسمّي حاجته».(1)
ففي هذا التّوجّه إلى الله مباشرة سدّ لذريعة اللّجوء إلى تخرّ صات المنجّمين والعرّافين وحيل المشعوذين ممّا يضرّ بعقيدة المسلم ويزعزع ثقته بربّه.
(1) 1 - رواه البخاري من حديث جابر بن عبد الله، أبواب التطوع، باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى، حديث 1109، 1/ 391.