سورة البقرة
الجزء ١ · صفحة ١٤٣فقوله تعالى: (فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ) بيان لنوع العقوبة المادّية التي تلقّوها، فهي كسابقتها غلظة وقساوة، وإذ هم في عبادة العجل قد ارتدّوا عن إيمانهم، وهنا يجعلون إيمانهم مشروطاً برؤيتهم لله جهرة، فجاءت العقوبة في كلتا الحالتين مناسبة للتّذكير والاعتبار، وكان سبب موتهم أخذهم بالصّاعقة حال كون بعضهم ينظرون ما حدث بالمنتقم منهم، ممّا يرجّح -والله أعلم- أنّ هناك نفراً كثيراً من قوم موسى من غير الذّاهبين معه إلى الميقات.
هـ) - وقد اختلف المفسّرون-أيضاً- في معنى الموت والبعث في هذه الحادثة: أهما حقيقيان أم معنويان؟
- فمنهم من ذهب إلى أنّهما حقيقيان، إذ جعل الله ذلك معجزة لموسى بعد دعائه وشفاعته لهم، وعليه أغلب المفسّرين، والعطف بـ"ثمّ" يقتضي فترة زمنية بين الإماتة والإحياء.
- إنّهما موت وبعث مجازيان كناية عن تكثير سواد الأمّة بعد هونها وضعفها، وازدهار العلوم فيها بعد جهلها … إلخ، ومن المائلين لهذا التّأويل الإمام الشيخ محمد عبده.(1)
و) - إذا كانت نعمة الإحياء بعد الإماتة قد مهّد لها بذكر سببها، وهي تجرّؤهم على مقام الألوهية والرّسالة - على ما تقدّم- فإنّ النّعمتين التّاليتين ذُكرتا مجرّدتين عن بيان الذّنب الذي اقترفوه في حقّهما إلاّ أنه تعالى وصفهم بالظّلم لأنفسهم إذ قال تعالى: (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ):
(1) - أنظر: محمد رشيد رضا، تفسير المنار، 1: 322.