سورة المائدة
الجزء ٥ · صفحة ٦٩لقد نقضوا ميثاقهم مع الله فكانت اللّعنة والطّرد من رحمة الله، وحين ينسى الإنسان ربّه وينكث عهده فليس له إلا التّيه والضّلال والحيرة والشّقاء، ومن ثمّ لا يعتمد في معاملته مع نفسه ومع النّاس إلا على الادّعاء والغرور، وعلى المكر والكيد، وتلك صفات لليهود لا ينفكّون عنها حيثما وجدوا وكيفما عوملوا، والشّواهد التّاريخية تؤكد ذلك.
وإسناد اللّعن والجعل إلى الله تعالى لا يعني إكراههم وجبرهم على ما هم عليه، بل إن ذلك جار على سنة الله في خلقه، بتأثير الأعمال الكسبية في تزكية النّفس أو تدسيتها، وقد بلغوا من قساوة قلوبهم أن قتلوا أنبياءهم وافتروا ذلك الإثم العظيم على عيسى وأمّه، والله تعالى من خلال هذه العاقبة الوخيمة يحذّر المسلمين من أن يتبعوا سننهم كما أفصح عن ذلك في سورة الحديد، فقال: (أَلَمْ يَانِ لِلذِينَ ءَامَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُواْ كَالذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الاَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) (16).
(يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ): التّعريف: الإمالة إلى الحرف أي الجانب، وهو العدول عن الحظّ السّويّ، والكَلِم هو كلام الله المنزّل على موسى في نصوص التّوراة، فهم يتصرفون فيه لفظا أو معنى بحسب أهوائهم، فيزيدون وينقصون، ويقدمون ويؤخرون، أو يتأوّلون في المعاني، وقد يكتمون أشياء كثيرة كما فعلوا ببشارة بعثة محمد عليه السلام.