نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة المائدة

الجزء ٥ · صفحة ٧٥

(قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا): جاء إليكم كما جاء إلى العرب وإلى النّاس أجمعين، ومن دلائل نبوءته وصدقه أنه يبيّن لكم ما نسيتم من كتابكم وما أخفيتموه، وهو الأمِّيّ المبعوث في قوم أميّين، كنتم تستعلون عليهم بمعرفتكم للكتاب، وأيّا كان ذلك الذي أخفوه من الكتاب فإن في بيان رسول الله له أقوى حجة عليهم وأبلغ تأثير مما حدا بكثير منهم للإيمان بهذا الرّسول.

(وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ): والضّمير يرجع إلى الرّسول، وليس إعراضه عن أجزاء من هذا الكتاب عن جهل وعجز، بل هو لعدم الفائدة في ذكره مما لم يعد له نفع للمسيرة الإنسانية في مسالك حضارتها، وقد تجاوزه الزّمان، ولم يعد ضروريا لحياة الإنسان، كتلك الأحكام التي شرعها الله لأقوام خاصين، وأحوال معينة خاصّة.

(قَدْ جَآءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ): تكرّر المجيء من اللهِ على وجه البدلية من الجملة الأولى، التي تعرضّت إلى مهمّة الرّسول في بيان ما أخفاه أهل الكتاب، وليس له من مرجع في ذلك إلا وحي السّماء، وهو النّور في طبيعته يجلي الظّلمات وينير السّبيل، وهو الكتاب المبين، فلا لبس ولا ريب، وهل هما وصفان للقرآن الكريم كما يميل إلى ذلك كثير من المفسّرين؟ أو النّور وصف للرّسول، والكتاب المبين هو القرآن؟؛

كلا الاحتمالان صحيح، ولكل منهما ما يسنده من آيات القرآن، وإذا قارنّا بين البدل والمبدل منه في الجملتين، وجدنا المعنى يتناسب مع الاحتمال الثّاني، فقد ذكر في المبدل منه مجيء الرّسول، وهو يعتمد في بيانه لما أخفاه أهل الكتاب على القرآن، والإخفاء والكتمان ظلمة وضلال، يكشفهما نور البيان النّاصع، فالكاشف هو رسول الله، ومرجع إبانته هو القرءان الكريم.

١٬٤٣٨ / ٦٬٧٦٧