سورة المائدة
الجزء ٦ · صفحة ٦ثم يتدرج الأخ المهدد في كسر حدّة الحسود الغشوم ببيان حق الأخوّة وما يتطلب ذلك من مجابهة السّيئة بالحسنة، ومن اللّين في المعاملة حتى في أحرج المواقف من المهاترة والاستفزاز، لا عن ضعف وجبن، بل عن ضبط نفس وأناة وحلم تستمدّ قوتها من خشية الله وتقاه: (لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّيَ أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ).
وهل القتل في حالة الدّفاع عن النّفس كان محرّما في الشّريعة الأولى؟ ثم نسخ بجواز ذلك في حالة الدّفاع عن النّفس كما في الإسلام؟؛ لم يتعرض النّص إلى شيء من ذلك، بل كل ما يفهم من إجابة الأخ المظلوم أنه يستفظع أمر القتل أيّاً كانت أسبابه، لأن للدّفاع عن النّفس أساليب أخرى دون الانتهاء إلى القتل، منها هذا الأسلوب الوديع في الاستعطاف، وإثارة كوامن النّبل والشّهامة في نفس الجاني، وتهدئة دواعي الغضبية، سيما والأخ المتوعِّد ليس بالكافر الجحود بدليل تقربّه إلى الله بالقربان، وعلى أسلوب التّرغيب والتّرهيب في الموعظة والتّذكير، أضاف الأخ المهدَّد قوله: (إِنِّيَ أُرِيدُ أَن تَبُوأَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنَ اَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَآؤُاْ الظَّالِمِينَ):
فليست العلة –إذن- في امتناع المجني عليه المهدَّد بالقتل عن المجابهة بالمثل، هو الضّعف والجبن كما سبق، بل هو الخوف من ربّ العالمين الذي جعل للنفس حرمة مقدسة، فلا تزهق إلا بحقها، والخوف من الله يقتضي الإيمان بجزائه العادل، وما جزاء الظّالم أزاء المظلوم؛ إلا أخذه لحسناته، ثم طرح سيّئات المظلوم على الظّالم إن لم تكف حسناته في استيفاء حق مظلومة، كما ورد في الحديث الشّريف، وكما جاء في قوله تعالى: (لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنَ اَوْزَارِ الذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ اَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ) (النحل:25).