سورة المائدة
الجزء ٦ · صفحة ٢٢وحين تستقرّ تقوى الله في قلب المؤمن، فإنها تعطيه مناعة كبرى، فلا تخترقها وساوس الشّيطان إلا لماما، يقول تعالى: (اِنَّ الذِينَ اتَّقَوِاْ اِذَا مَسَّهُمْ طَآئِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ) (الأعراف:201). ومن هنا جاء التّركيز في الآية الكريمة على صفة التّقوى، وهي صفة تنبع من داخل النّفس لا من خارجها، وهي مناط التّزكية والقبول عند الله، لأن مستودعها القلب،
"والقلب مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله".(1) ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التقوى هاهنا -مشيرا إلى قلبه-».(2)
ولما كان واقع النّاس تغلب عليه الرّغبات النّفسية والنّزوات البهيمية حتى وهو متلبّسون بلباس الإيمان، وهم إذ تحيط بهم خطاياهم ويسرفون على أنفسهم -أحيانا إلى حدّ القنوط من رحمة الله-، فإنهم يقعون في ما وقع فيه مَن قبلهم من أهل الكتاب من الرّكون على الوسطاء والشّفعاء، ليقربّوهم إلى الله زلفى كما قال المشركون.
وقد حارب الإسلام بدون هوادة تلك المظاهر التي تعتمد فيها للوصول إلى الله على الكهنة أو غيرهم من الأولياء والصّلحاء، واعتبر كل ذلك من الشّرك الخفي الذي قد يمسّ العقيدة، وهذه الآية واضحة المعنى في بيان حقيقة التّوسّل، وأنه يرتكز على المعنى القلبيّ في اعتماده على تقوى الله واندفاعه بخشيته في امتثال الأوامر واجتناب النّواهي طلبا لمرضاته، وذلك يسير على من يسّره الله عليه، إذا ما سلك طريق الهدى، وتزوّد بالبرّ والتّقوى، وليس في ذلك أعظم ولا أنجع وسيلة مما افترضه الله على عبده أولا، وبالتّقرب إليه بأنواع النّوافل ثانيا، وقد جاء في الحديث الشّريف القدسي: «ما تقرب عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه»،(3) وفي حديث آخر: «ما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه … ».(4)