نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة المائدة

الجزء ٦ · صفحة ٣٣

ولا أشدّ على الحاكم العادل من تسفيه حكمه وهو الحق الصّراح، فهؤلاء المنافقين لا يرجى منهم تطهير من الدّنس الذي هم فيه، ولن يملك الرّسول هدايتهم وقد اختاروا لأنفسهم سبيل الضّلال، فالله تعالى هو الذي يتولّى أمرهم فيجازيهم بما يستحقون، خزيا وذلاً في الدّنيا، وعذابا عظيما في الأخرى، وحسبهم من الخزي والعار إغراقهم في الكذب يروّجون سوقه في معاملاتهم وبالتّالي لا يجنون من وراء كسبهم ذلك إلا السّحت من المال الحرام الذي لا بركة فيه، وكل من كسب السّحت واعتماد الكذب متلازمان في التّعامل، ولذلك حقت لعنة الله على الكاذبين، والرّسول ينفي عن المؤمن أن يتصف بالكذب لأنه يتعارض مع الإيمان الصّادق، وذلك عندما سئل: «أيكون المؤمن كذّابا، فقال: لا، بملء فيه».(1)

وعلى ما يصيب الرسول -عليه السلام- من الهمّ والحزن بمواقف هؤلاء اليهود فإن الله تعالى لم يمنع رسوله من الحكم في القضايا التي يرفعونها إليه، بل خيّره بين الحكم والإعراض عنهم وإحالتهم إلى رؤسائهم وفق ما يعتبره الأصلح للجماعة المسلمة، وتقتضيه السّياسة الحكيمة، والله يطمئن رسوله في حالة الإعراض عنهم بأنه تعالى يحفظه من مكايدهم فلا يصلون إليه بضرّ، بينما يأمره بالعدل في حالة الحكم، لأن العدل قيمة خلقية اجتماعية، بل هي مبدأ كوني قامت عليه الأرض والسّماوات، فالله تعالى عادل في حكمه وهو مع العادلين المقسطين بالعون والتّوفيق والعزة والتّمكين.

(1) – الحديث.

١٬٤٩١ / ٦٬٧٦٧