نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة المائدة

الجزء ٦ · صفحة ٤٩

(لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمُ (أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ ءَاتَاكُمْ): ما علة ذلك التّأكيد للرسول أن يحكم بما أنزل الله في شريعته؟؟ إنه تقدير الله الأزلّي وحكمته البالغة أن يختلف النّاس في مشاربهم و توجّهاتهم وفقا لاختلاف بيئاتهم و أحوالهم، فناسب أن يشرّع لكل أمّة ما يناسبها من الأحكام العملية التّطبيقية، و إذا كانت أصول الدّين في العقيدة و مكارم الأخلاق متفقة، فإن لكل رسول شرعته و منهاجه التّطبيقي العملي في إصلاح أوضاع النّاس و إرشادهم حتى يتدرّجوا مع أقوامهم في سلّم الحضارة و التّمدّن على حسب استعداداتهم الفطرية، و نضرب لذلك مثلا من الدّيانات المذكورة في هذا السّياق، اليهودية و النّصرانية و الإسلام. فإن الأحكام في التّوراة يغلب عليها طابع الشّدّة والعزيمة، لأن اليهود طغت عليهم المادية فقست قلوبهم وشاقّوا رسلهم، ثم إن سيّدنا عيسى بعث بالرّحمة والسّماحة فغلب على شريعته طابع الرّوحانية والرّهبانية. وعندما تطوّرت أحوال النّاس وكمل استعدادهم الحضاريّ ونضجهم الفكريّ جاءت الشّريعة الإسلامية وسطا بين التّطرّف اليهودي الماديّ، والإفراط الرّوحاني المسيحي، (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمُ (أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) (البقرة:143).

١٬٥٠٧ / ٦٬٧٦٧