نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة المائدة

الجزء ٦ · صفحة ٦٦

ب) - "أنهم يحبّون الله تعالى": ولا يبلغ العبد هذا المستوى من حبّ الله إياه إلا إذا سلك إلى ذلك طريق الحبّ والطّاعة والإجلال لعظمة ربّه، والإيناس بذكره بحيث يتضاءل في تصوّره ومعتقده كل محبوب أزاء محبته لله كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ) (البقرة:165). وهذا الحبّ وإن كان ثمرة لعبادة الله بإخلاص ووفاء، غير أنه فوق ذلك حالة وجدانية لا تجسّده العبارات، ولا تنمّ عنه كثرة العبادات. وقد وصف الرّسول الصّديق أبا بكر بهذه الصّفة حين قال: "ما فضلكم أبو بكر بكثرة صلاة ولا صيام ولكن بشيء وقر في صدره".(1)

ألا ترى إلى رسول الله كيف شهد أنه رجل من الجنة. وكيف أن عبد الله بن عمر كان يظن أنه بلغ هذه المنزلة بكثرة التّهجّد في اللّيل حين احتال أن يبيت عنده. ولكن الرّجل نام ملء عينييه كالاّ من عمل يديه، طول النّهار فإذا بالسّرّ يكمن في طهارة نفسه وصفاء قلبه بالمودّة والحبّ وهو لا يضمر حقدا على أحد، ولا ينطوي على حسد.

ج) - (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُومِنِينَ): ليتنو الجانب لإخوانهم المؤمنين متواضعون، ليونة رحمة وعطف، وتواضع حبّ ومودّة. والأرواح البشرية حين تتآلف، فإن الحواجز المادية تسقط، والممارسات الطّفيلية تغيب، فتتعانق على صفاء وطيبة، وتتجاوب في الحضور وفي الغيبة، وما هي بذلة الإستكانة والهوان. ولذا جاء التّعبير "بعلى" لا "بإلى".

د) - (أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ): إنما العزة التي لا تقبل الضّيم، والإباء التي لا يقبل الهوان. إنه الاستعلاء والاعتداء بالنّفس أمام العدوّ والمتجبّر، كيلا تحدثه نفسه بعدوان، وإن اعتدى فلا نكوص أمامه في الميدان. ونظير هاتين الصّفتين قوله تعالى في أصحاب محمد -عليه السلام- (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) (الفتح:29).

(1) – الحديث.

١٬٥٢٤ / ٦٬٧٦٧