سورة المائدة
الجزء ٦ · صفحة ٨٦على ذلك الوصف المزري والتّمديد الشّديد يفتح الله باب التّوبة، ويمت حبل الأمل أمام أهل الكتاب وخاصّة اليهود علهّم يرعوون عن غيّهم فيؤمنون بالله ويتقونه كما دعاهم إلى ذلك رسول الله. ولو أنهم فعلوا ذلك لوجدوا الله ثوابا رحيما، يكفّر عنهم سيئاتهم ويجزيهم الجنات النّعيم. فذلك هو المطلب الأساسيّ منهم -أي الإيمان بالله وبرسوله محمد-صلى الله عليه وسلم- ثم في الدّرجة الثّانية: لو أنهم عملوا وفق ما في كتبهم المقدّسة من دون تحريف أو تبديل سيما ما أنزل الله إليهم من بشارة النّبيء الخاتم وبيان أوصافه، إذ يعرفونه بها كما يعرفون أبناءهم. لو فعلوا ذلك لأغدق الله عليهم الأرزاق غيثا من السّماء. وبركات من الأرض. (وَلَوَ): حرف امتناع لامتناع كما يقول اللّغويون. فقد تعطّل وعد الله لامتناعهم عن استجابة دعوة الرّسول وفي نظير هذه الآية من سورة الأعراف يفصح الله بالمعنى اللّغويّ المسّتفاد هنا من حرف: (لَوَ): فيقول تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأعراف:96).
ذلك هو موقف الكثير من أهل الكتاب. ولم يبخس الله حق أولئك الذين استجابوا منهم لدعوة الرّسول يهودا أو نصارى فحسن إسلامهم وزكت نياتهم وأعمالهم في قصد واعتدال، وفي طاعة وامتثال. وإن كانوا قلّة. وقد تكرّر هذا المعنى في القرءان الكريم كقوله تعالى:
أ) - (وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) (الأعراف:159).
ب) - (وَجَعَلْنَاهُمُ (أَيمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَواةِ وَإِيتَآءَ الزَّكََواةِ وَكَانُواْ لَنَا عَابِدِينَ) (الأنبياء:73).