سورة البقرة
الجزء ١ · صفحة ١٥٩(وَإِذَ اَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّنم بَعْدِ ذَالِكَ فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ، لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ): وضمير الخطاب في الآية على اعتبار الأمة الواحدة تتكامل فيها الأجيال وتتضامن في المسؤولية ليتعظ بعضها من بعض، فكان سرد هذه الأخبار تذكيرا لليهود بما كان من استخفاف أسلافهم بأوامر الله وما أعقب ذلك من الزواجر والرحمة والتوبة وقصة زعزعة جبل الطور مذكورة في نصوص التوراة فصدّرت بـ"إذ" الدّالة على زمن القصة والمشعرة بتحقيق وقوعها، وذلك حينما أخذ الله العهد على بني إسرائيل أن يأخذوا بشريعة التوراة، فتلكّؤوا وتردّدوا فرفع الله فوقهم جبل الطور حتّى تخيّلوا أنه واقع بهم، فأعطوا العهد وامتثلوا لأمر الله، وعندما شاهدوا تلك الآية تحرّك فيهم الوازع الإيماني فخاطبهم المولى وأمرهم أن يأخذوا ما في التوراة بقوة أي بعزيمة ونشاط في التنفيذ والامتثال، مع التدبّر والفهم لما في كتاب الله من الأحكام والإرشادات حتّى يكون العلم مقترنا بالعمل، وبذلك ترسخ العقيدة في النفوس، وتنقاد الجوارح إلى الطاعة والامتثال، فيحصل بذلك الرجاء في تقواهم لله كما أُمِروا، لأنّ الله تعالى هيّأ لهم أسباب الهداية، فهم أقرب إلى التقوى من غيرهم، ولكن توفّر أسباب للهداية قد يأخذ بها الإنسان إذا وفقه الله لذلك، وقد يتولى ويعرض، فلا يصيب من التقوى شيئا، وقد يهتدي أول الأمر فينتكس، وهذا ما وقع فيه بنو إسرائيل، وذلك حين عبد البعض منهم العجل، والعطف بـ"ثم" يدلّ على الفارق الزمني في وقوع ذلك، فهم بتولّيهم عن الطاعة مستحقّون للعقاب، ولكن الله بفضله ورحمته أمهلهم حتى يرجع موسى من ميقات ربّه فتابوا وأذعنوا فوقاهم الله بذلك شرّ الخسران.