سورة البقرة
الجزء ١ · صفحة ١٦٤ويرى الإمام ابن عاشور أنهما قصّتان، فهو يقول بعد أن ذكر أنّ قصة ذبح البقرة قد أشارت إليها التوراة في السّفر الرابع، سفر التشريع الثاني، قال بعد نصّ التوراة: "وبذلك يظهر وجه ذكرهما قصّتين، وقد أجمل القرآن ذكر القصتين، لأن موضع التذكير والعبرة منهما هو ما حدث من خلالهما، لا تفصيل الوقائع، فكانت القصّة الأولى تشريعا سيق ذكره، لما قارنه من تلقيهم الأمر بكثرة السؤال الدّال على ضعف الفهم للشريعة، وعلى تطلب أشياء لا ينبغي أن يظن اهتمام التشريع بها، وكانت القصة الثانية منّة عليهم بآية من آيات الله ومعجزة من معجزات رسولهم بيّنها الله لهم ليزدادوا إيمانا".(1)
قلت: إن تلاحم أحداث القصة، والربط بينها بالضمير في قوله تعالى: (فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا) يرجح ما ذهب إليه الجمهور من أنها أحداث لقصة واحدة، والله أعلم، إذ أن الأمر بذبح بقرة جاء استجابة لطلبهم من موسى الفصل في مسألة القتل.
والتذكير بـ"إذ" ثم حكاية القصّة بأسلوب الحوار الذي تمّ بين موسى لقومه يضفي عليها حيوية وتأثير لدى السامعين، حتى لكأنهم يعيشون ذلك المشهد ويستمعون للحوار المتداول بين موسى وقومه، فقد أكّد الأمر الإلهي بـ"إن" للاهتمام به وجيء بلفظ البقرة نكرة ليشمل أي بقرة كانت يعمدون إلى ذبحها ويكونون بذلك قد امتثلوا أمر الله، ولكن كيف كان جوابهم لنبيئهم بعدما تبيّن لهم صدقه وظهرت لهم معجزاته؟.
(1) - الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، 1: 547.