سورة الأنعام.
الجزء ٦ · صفحة ١٨٨(وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ): فيجازي كلاّ على عمله بحسب ما ثبت في علمه فليس الإبداء والإخفاء من طرفكم بمخلّ ولا مجحف لميزانه.
(قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوَ اَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ): عجبا لهذا التّفنّن في أساليب التّرغيب والتّرهيب والوعد والوعيد بعد تفصيل الأحكام بما فيها من حلال وحرام، في قضية الصّيد والطّعام. ذلك لأن النّاس في جهلهم وجاهليتهم هم في حاجة إلى مثل هذا الأسلوب، إذ الإنقلاع عن العادات المألوفة والتّقاليد الموروثة ليس بالأمر الهيّن. ولذا يضع الله في هذه الآية التي جاءت تتمة للسياق، يضع ميزانا تريسا للقيّم والأشياء يزن به المسلم أعماله ومواقفه حين تغرّه المظاهر وتبهره الكثرة حتى لا ينساق مع الرأي الفطِر والنّظرة العجْلَى. والخطاب في الآية موجّه إلى رسول الله، وهو الذي يواجه العناد، ويتعامل مع أصناف العباد وفيهم الطّيّع الوفيّ والكنود الغبيّ. وفي المشركين عنجهية واعتزاز بالكثرة في الأموال والأولاد والإتباع وقد قالوا: (وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) (سبأ:35). وقال الرّجل المتطاول بجنته للرجل الفقير الصّالح: (أَنَآ أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً) (الكهف:34). إنها لغة السّادة الكبراء في كل زمان ومكان. فها هو ميزان الله العادل: (لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ): فالخبيث والطّيبة حقيقتان متضادّتان. لا مقاربة ولا مشابهة بينهما. فالحلال لا يشبه الحرام، وبالتالي فإن الملتزمين بالحلال الموفّين لعهد الله لا يستوون عند الله مع المتهتكين الفجّار: (أَمْ نَجْعَلُ الذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الاَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) (صّ:28). قد يلتبس على المرء تمييز الخبيث من الطّيّب، إما غفلة أو غباوة وتقليدا.