سورة البقرة
الجزء ١ · صفحة ١٦٦ويظهر تعنتهم وسوء أدبهم مع الله ورسوله في أسلوب طلبهم بقولهم: (ادْعُ لَنَا رَبَّكَ)، ولو أنهم كانوا مذعنين لامتثال الأمر دونما تردّد لقالوا: "ادع لنا ربنا"، وقولهم: (مَا هِيَ) للاستفسار عن صفاتها لا عن الكنه والجنس بدليل قولهم: (إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا)، وقد علم الله ما في نفوسهم من شكّ وتردّد غلوّا في الدين وإعناتا للرسول فكان لقوله تعالى خلال البيان: (فَافْعَلُوا مَا تُومَرُونَ)، كان في ذلك تربية لما يحب أن يكونوا عليه من الاستجابة لأوامر الله والإسراع في تنفيذها لأن ذلك من مقتضيات الإيمان الصحيح، ويتلخّص البيان الإلهي للأوصاف المطلوبة في ما يلي:
- أنها بقرة عوان: أي متوسّطة السّن، فلا هي صغيرة ولا كبيرة.
- أنها لونها أصفر فاقع تُدخل المسرة في نفوس الناظرين إليها، وحصول المسرة مسند إلى البقرة لا إلى اللون ليفيد تمازج الشكل واللون في الصورة المستحسنة.
- أنها من الأبقار السائمة غير مذلّلة بالحرث والسقي سليمة من العيوب كالعرج والعور، ليس بها علامة أخرى من غير اللون الأصفر.
وبعد استيفاء البيان المطلوب، وما فيه من إعنات وتشدّد، أصبح الظفر بهذا النوع من الأبقار عسير المنال، وفي حالة وجوده يكون غالي الثمن، ولذا قيل بأنهم لم يجدوا ذلك النوع المطلوب إلا عند يتيم صغير ساوموه فيها فتغال في ثمنها حتى اشتروها بملء جلدها ذهبا.
وللتنبيه على ما تطلب ذلك الإلحاح من الأسئلة عن أوصافها، ثم البحث عنها وتحملهم لثمنها الباهظ، جاء قوله تعالى: (الَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ)، وقولهم لرسولهم: (الَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ) أي بالبيان الواضح الثابت، ولا يعني ذلك تكذيب رسولهم في ما قاله قبل ذلك، كما يقال للرأي السديد يدلي به أحد المفكرين "فلان أصاب كبد الصواب".