سورة الأنعام.
الجزء ٦ · صفحة ٢٣٢ب) - والثّاني: يتمثل في رضوان الله عنهم، ورضاهم عنه. والتّعبير بالرّضا في مقام الطّمأنينة النّفسية والسّعادة الرّوحية لا تعوّضه كلمة أخرى في تشخيص العواطف الإنسانية النّبيلة. وتمام لذة الرّضا وكماله أن يكون متبادلا بين المحبّ والمحبوب. ألا ترى إلى رسول الله -وهو النّموذج الأعلى في حبّ الله- ألا تراه في ابتهالاته إلى مولاه، وهو عائد من محنة الطّائف كيف تدرّج في الاستعطاف وطلب الرّضا من مولاه. فقد تدرّج من المرتبة الدّنيا في استعطاف الحبيب، وقد كادت المحنة تفقده ذلك التّألق الرّوحيّ في منازل القربى فقال عليه السلام "إن لم يكن لك عليّ غضب فلا أبالي".(1) ثم إذا بالرّوح الشّريفة يتوهّج إشراقها وهي تستحث الخطى إلى رفرف الرّضا الرّباني لتجد رضاها وسكينتها وعندها ينهي تلك الابتهالات بقوله: عليه السلام "لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك".(2) وذلك منتهى الفوز العظيم. فما أعظمه فوزا في ذلك اليوم العصيب أن يجمع المؤمن بين نعيم الجنة ورضوان الله. وذهب بعض المفسرين أن الإشارة إلى النّعيم الثّاني لأن الله يقول في سورة التّوبة بعد ذكر نعيم الجنة والخلود فيها. يقول: (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ) (التوبة:72). يقول الإمام الرّازي في ترجيح ذلك: "فإنه ثبت عند أرباب الألباب أن جملة الجنة بما فيها بالنّسبة إلى رضوان الله كالعدم بالنّسبة إلى الوجود. وكيف والجنة مرغوب الشّهوة، والرّضوان صفة الحق. وأيّ مناسبة بينهما"؟؟ …(3)
(لِلهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالاََرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ): جاء هذا الختام الكريم مناسبا لنهاية الحوار القدسّي ومناسبا لمضمون السّورة كلها.