نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة البقرة

الجزء ١ · صفحة ١٧٦

النّفاق والمداجاة من علامات العقل الرّاجح، ولبئس ما يظنّون.

ومن ثَمّ يجيء الرّدّ الإلهيّ لتفنيد زعمهم بالاستفهام التّقريري: أَوَلاَ لاَ يَعْلَمُونَ)، نفي علمهم هو لتقرير بلازمه، أي أفلا يعلمون أن الله تعالى يعلم السّرّ والعلن، فهم محجوجون بما عندهم من التّوراة، سواء حدّثوا به المؤمنين أولم يحدّثوا، تلك هي أحوال خاصّة لليهود من علمائهم وأحبارهم، فما هو شأن عامّتهم؟.

ذلك ما يبيّنه الله تعالى بقوله: (أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ، وَمِنْهُمُ، أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمُ، إِلاَّ يَظُنُّونَ)، فإذا كان عقلاؤهم ميئوساً من إيمانهم على مالهم من دراية بكتابهم، فما بال الدّهماء من عامّتهم، وهم لا يقرأون ولا يكتبون؟، ولا يعرفون عن دينهم إلاّ تلافيق سمعوها ولم يعوها، وهم متمسّكون بالأماني الكاذبة، بأنّهم شعب الله المختار، وأنّ الله يغفر لهم ذنوبهم، فلا تمسّهم النّار إلاّ أيّاماً معدودة، وأنّهم أبناء الله وأحبّاؤه … إلخ، ممّا لا سند له من وحي الله ولا من بيان رسول الله، بل هي تلافيق منبنيّة على الظّنّ، والأمانيّ إذا لم تطابق الواقع المعقول فهي أكاذيب اخترعها لهم أولئك المحرّفون لكلام الله فتقبّلوها عن تقليد وبلادة، وفسّر البعض" الأمانيّ" بالقراءة، فيكون المعنى أنّهم يردّدون نصوص كتابهم ولا يفقهون لها معنى، فتكون الآية في معنى قوله تعالى: (مَثَلُ الذِينَ حُمِّلُواْ التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً) … (الجمعة:5).

١٧٦ / ٦٬٧٦٧