سورة الأنعام.
الجزء ٦ · صفحة ٣٠٨ظل المشركون وأتباعهم يحاولون صدّ الكثير من مستضعفي المسلمين عن دعوة الإسلام بكل الوسائل الخسيسة، وهم يطمعون في ارتداد البعض منهم. بل حتى رسول الله تعرّض إلى كثير من مضايقاتهم ومساومتهم في دينه من خلال عمّه أبي طالب حتى كأن منه ذلك الموقف المشهود من إصراره وعزيمته بقوله: والله يا عمّ لو وضعوا الشّمس في يميني … الخ. مما هو معروف من السّيرة النّبوية. والله تعالى يردّ على مزاعمهم في ما تقدم من سياق هذه السّورة الكريمة، وقوله تعالى: (قُلَ اَنَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ): استئناف وتأكيد لما تقدم. في تأييس المشركين من محاولاتهم الكثيرة، حتى روي في أسباب النّزول أن عبد الرّحمان بن أبي بكر الصّديق دعا أباه إلى الارتداد، والقصة تندرج في المسعى اليائس من طرف المشركين.
وتكرّر الأمر لرسول الله بالقول للتنبيه إلى الاهتمام بالمقول المصدّر بالاستفهام الإنكاريّ والتّعجيبي مع بيان علّة ذلك الإنكار. وجيء بنون المتكلمين. (اَنَدْعُوا): ليشمل الرّسول وكل الدّاعين معه إلى الله، وعلة الإنكار، أن دعوة غير الله ارتداد وكفر، إذ هي التّماس لكشف الضّرّ وطلب النّفع من عاجز لا يملك ذلك لنفسه بله غيره، ثم إن ذلك نكوص على الأعقاب ورجوع إلى الوراء في هزيمة وخيبة لا يكون من شأن صاحب العقل والهمّة. ويكون الارتداد والنّكوص أخزى وأعظم عارا على صاحبه إذا كان عن تقليد بعد ممارسة الضغوط عليه من طرف الضّالّين أمثاله، وتلك هي النّكتة التي اهتدى إليها صاحب المنار في اختيار التّعبير بقوله: (نُرَدُّ): بدلا عن: "نرتدّ" وهو ملحظ دقيق إذ بقول: "التّعبير "بنردّ" المبني للمجهول بدل التّعبير بترتد أو نرجع، والنّكتة فيه أنم هذا التّحوّل المذموم ليس من شأنه أن يقع من عاقل، لأن العاقل إذا وصل إلى مرتبة عالية من العلم والكمال فإنه لا يختار الرّجوع عنها، واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير وأعلى".(1)
(1) - م 07 ص 523.