نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الأنعام.

الجزء ٦ · صفحة ٣٥٧

زيادة في التّذكير بعظمة الله وقدرته عطف هذه الجملة الاسمية وهي على صيغة القصر. أيّ الجاعل هو الله لا غيره. وجعل بمعنى خلق، ثم علّلها الله تعالى بذكر فائدة النّجوم، وهي مختلف النّيرات التي تنبث في صفحة السّماء، وتختلف في إشعاعها وإشكالها، مما عدا الشّمس والقمر. ففي هذه الآية الكريمة ذكر لها فائدة الاهتداء في ظلمات البرّ والبحر. فهي ظلمات متعددة أضيفت إلى البرّ والبحر، وهما مجال نشاط الإنسان للكسب والارتزاق، أو للمعرفة والاستكشاف. والإضافة إليهما لمعنى الملابسة. ومن فائدة النّجوم كما ورد في ءايات أخرى الزّينة ورجم الشّياطين، كما في قوله تعالى بسورة الملك: (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ) (5). وذكر النّجوم بعد النّيّرين العظيمين: الشّمس والقمر، ارتقاء بمشاهدات الإنسان من الأدنى إلى الأعلى في أغوار الكون العظيم، وقد كان العرب يلمّون بمنازل النّجوم لمعرفة الأوقات ويهتدون بها في سراهم كما أشار إلى ذلك قوله تعالى في سورة النّحل: (وَعَلاَمَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) (16). غير أن معرفة أبعاد النّجوم وكثافتها وأحجامها لم يهتد إليها الفلكيّون إلا في عصر النّهضة العلمية بفضل استعانتهم بالمراصد المجهزة بأدق الآلات المقربة للأبعاد وأنواع من الحسوب مما يتطلب تخصّصا في علوم الفلك، ولذا جاء التّعقيب بقوله تعالى: (قَدْ فَصَّلْنَا الاَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ): مما يوحي بإدمان النّظر والبحث في ملكوت السّماوات والأرض.

(وَهُوَ الذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الاَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ):

١٬٨١٥ / ٦٬٧٦٧