سورة البقرة
الجزء ١ · صفحة ١٩٤إنّه ما يفيده الاستفهام التّوبيخي في قوله تعالى: (أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولُم بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ)، والفاء للتّشريك في الحكم، ومضمون التّوبيخ، أنّ موقفهم من هؤلاء الرّسل هو الاستكبار والإعراض حسداً وبغياً، والنّتيجة من ذلك هي تكذيب فريق من أولئك الرّسل كعيسى ومحمد عليهما السلام، وقتل فريق آخر كزكرياء ويحيى عليهما السلام، واختيار صيغة الخطاب أوجع في التّقريع والتّنديد بمواجهة المجرم بفعلته السُّوءَى، كما أنّ طيّها وإدماجها في الاستفهام يكون أقوى في التّوبيخ، وبدأ الله بالتّكذيب لأنّه أول ما يفعلونه، وهو ما يدفعهم إلى القتل، واختيار صيغة المضارع في " تقتلون" لتنزيل ما مضى منزلة الحاضر المشاهد، وخوطِب الخَلَف بذلك لرضاهم عمّا فعل أسلافهم.
وإذا كان هذا هو موقفهم من أنبيائهم ورسلهم، فلا عجب أن يُعرضوا عن دعوة محمد عليه السلام وأن يهزؤوا به بمثل قولهم: (وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفُم بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُومِنُونَ):