سورة الأعراف.
الجزء ٧ · صفحة ٢٨وللإمام ابن عاشور ملحظ دقيق في مثل هذا العطف إذ يقول: "فالنّداء والأمر من جملة المقول المحكيّ بقال: أي قال الله لإبليس أخرج منها وقال لآدم: ﴿اسْكُنَ اَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾: وهذا من عطف المتكلم بعض كلامه على بعض إذا كان لبعض كلامه اتصال وتناسب مع البعض الآخر، ولم يكن أحد الكلامين موجّها إلى الذي وجّه إليه الكلام الآخر مع إتحاد مقام الكلام، كما يفعل المتكلم مع متعدّدين في مجلس واحد فيقبل على كل مخاطب منهم بكلام يخصّه". وبهذا التّوحيد لمعنى العطف يتخلّص الإمام إلى معنى لطيف يّستخلص من خلال القصّة فيقول: "وفي توجيه الخطاب لآدم بهذه الفضيلة بحضور إبليس بعد طرده زيادة إهانة، لأن إعطاء النّعم لمرضيّ عليه في حين عقاب من استأهل العقاب زيادة حسرة على المعاقب وإظهارا للتفاوت بين مستحق الأنعام ومستحق العقوبة". انتهى.(1)
قلت:
إن مقابلة طرد إبليس من الجنة مذءوما مدحورا بإذن الله لآدم وزوجه بسكنى الجنة والتّمتّع بخيراتها هو إمعان في إغاظة إبليس والتّنكيل به من جهة ودلالة على أن الجزاء على مدى تزكية النّفس أو تدسيتها إكراما وإحسانا أو إهانة وإبعادا من جهة أخرى.
وهنا يتواجه الفريقان، كلّ على ما قدّر الله له من كرم الطّبع وسذاجة الفطرة المتمثل في ءادم، ومن خبث الطّبع ولؤم السّليقة المتمثل في الشّيطان. ولكل منهما دوره في هذه الحياة التي اقتضت حكمة أن تكون محكّا للابتلاء والاختبار. فلا بد من تزاوج الخير والشّرّ، وتقابل الحق والباطل. وقد أعدّ الله ءادم لمعايشة تلك الأوضاع في الأرض، فزوّده بالطّاقة العقلية وعلّمه الأسماء كلها ليميز بين الخبيث والطّيّب. ثم أمدّه عن طريق الوحي لرسله بالوصايا الإرشادية التي توضّح له معالم الطّريق.
(1) – التّحرير ج08 / ص52 - 53.