سورة البقرة
الجزء ١ · صفحة ٢١٨الجملة معطوفة على قوله: (وَلَمَّا جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ)، عطف قصّة على أخرى، أي أنّ اليهود نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، واستبدلوا بذلك ضلالات السّحر والشّعوذة ممّا تتلوه شياطين الإنس والجنّ على عهد سليمان، ادّعاءً منهم بأنّ ملكه قائم على السّحر، والتّعبير بـ (عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ) بعد قوله (تَتْلُو) يتضمّن معنى "تتقوّل وتكذب"، وصيغة المضارع لتنزيل الحالة الماضية منزلة الحاضرة كأنّها تُشَاهد، والشّياطين يُحتَمل أن يكون المراد بها الحقيقة، وهم متمرّدو الجنّ، إذ يسترقون السّمع -كما خبّر الله عنهم- في قوله: (وَإِنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَّسْتَمِعِ الاَنَ يَجِدْ لَهُ، شِهَابًا رَّصَدًا) (الجن:9)، فهم يسترقون السّمع ويضيفون لها أكاذيب يلقّنونها إلى الكهنة، ويُحتَمل أن يُراد بالشّياطين المعنى المجازي أي هم من الإنس، ويُسنِده قوله: (يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ)، ثمّ الحكم عليهم بأنّهم كفرة، وهو أمر لا يحتاج إلى التّقرير بالنّسبة إلى شياطين الجنّ، فتقتضي العمليّة التّعليميّة بالنّسبة إلى اليهود أن يكون المراد بهؤلاء الشّياطين الإنسيّين أنّهم الأحبار والعلماء، وقيل في سبب النزول أنّ اليهود قالت: "أنظروا إلى محمد، يخلط الحقّ بالباطل، يذكر سليمان في الأنبياء، إنّما كان ساحراً يركب الرّيح"، وقد سألوا النّبيّ زماناً عن أمور من التّوراة، لا يسألونه عن شيءٍ من ذلك إلاّ أنزل الله عليه ما سألوه عنه فيخصمهم، فلمّا رأوا ذلك قالوا: محمد أعلم بما أُنزِل إلينا منّا، وإنّهم سألوه عن السّحر وخاصموه به فأنزل الله هذه الآية: (وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ).