سورة التوبة
الجزء ٨ · صفحة ١٠٢إذا كان ما تقدّم من السّياق يتضمن إخبار الله لنبيّه ما سيواجهه به المنافقون عند عودته من "تبوك" فإن هذه الآيات الثّلاث جاءت لتبيّن أحوال الأعراب من سكان البادية مؤمنين ومنافقين وكفارا. فبعد أن ذكر الله أحوال المعذّرين منهم في ما سبق مع الذّين كذبوا الله ورسوله، عاد السّياق لتفصيل أحوالهم تنبيها للمسلمين إلى تلك الأحوال حتى لا يغتروا بمظاهرهم لأنهم بمنأى عنهم في البادية قال: (الاَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).
قضت حكمة الله في العمران البشري أن يتدرّج الإنسان من طور البداوة إلى طور الحضارة ولكل منهما خصائص وميزات إيجابا وسلبا، ضبطها علماء الاجتماع وفي مقدمتهم العلامة "ابن خلدون" كما تغنّى بخصائص كل منهما الشّعراء والكتاب فقال المتنبّي مشيدا بجمال البداوة:
حسن الحضارة مجلوب بنظرية … وفي البداوة حسن غير مجلوب
وقال أمير الشّعراء شوقي: على لسان مجنون ليلى:
لنا قبلة الشّمس عند البزوغ … وللحضر القبلة الثّانية
ونحن الرّياحين ملء الفضـ … ـاء وهن الرّياحين في الآنية
وكما يمتاز البدو بالشّجاعة والصّبر والكرم … إلخ، غير أن البيئة القاسية التي ينشأون فيها تطبعهم بالقساوة والغلظة، ثم إن احتكاكهم بالمجتمع المدني لا يكون إلا لماما، وبالتّالي بعدهم عن التّأثرّ بأنوار النّبوءة جعلهم أجهل بأمور الدّيانة وأحكام الشّرع الحنيف، وقد روي عن رسول الله أنه قال: «من سكن البادية جفا، ومن أتبع الصّيد غفل، ومن أتى السّلطان افتتن».(1)
وفي هذه الآيات يصفهم الله تعالى بأمرين:
(1) 1 - رواه الترمذي من حديث ابن عباس، كتاب الفتن، باب من أتى أبواب السلطان افتتن، رقم 2256، وقال: هذا حديث حسن صحيح، غريب من حديث ابن عباس، لا نعرفه إلا من حديث الثوري.