نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة يونس

الجزء ٨ · صفحة ٢٥٠

وإذ خصّ الله المؤمنين بصفة الرّحمة التي هي من تربية القرآن وآثارها على النّفس، أمر الرّسول أن ينبّه المؤمنين بأن هذه الميزة هي من فضل الله ورحمته بهم وأنّ ذلك أحقّ وأولى ما يجب أن يفرحوا به فقال تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ).

للإشادة بكل من فضل الله ورحمته تكرّر حرف الجرّ لإفادة ما يجب أن يكون من فرح المؤمن بكلّ منهما، لأن رحمة الله وفضله وإن وصفهما القرآن بالسّعة والشّمولية لكلّ الخلق فهما أوسع وأعظم بالمؤمنين، والمراد بهما هو هذا القرآن، إذ جعلكم الله من أتباعه، فبذلك وحده يجب أن تفرحوا.

والإشارة إلى المذكور من مجموع الفضل والرّحمة للتنويه والتّعظيم وتقديمه على: (فَلْيَفْرَحُواْ) لإفادة الحصر، ثم بيّن المقصود به بجملة: (هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ)، والضّمير في: (يَجْمَعُونَ) عائد إلى النّاس من مسلمين ومشركين وهو أنسب لحالة المشركين في تكالبهم على حطام الدّنيا وحبّهم الشّديد للمال، لأن أغلب المسلمين كانوا يومئذ فقراء ضعافا. وكم ندّد القرآن على الافتتان بشهوة المال وأرشد رسوله ومن خلاله سائر المؤمنين إلى الاعتزاز بكرامة الإسلام وصرف النّظر عن زينة الدّنيا حتى لا تفتنهم عما هم فيه من خير كقوله لرسوله في سورة الكهف: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ’ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (28). وقال في سورة طه: (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (131). ذلك لأن القيم المادية وحدها لا توفّر للناس السّعادة والهناء، إذا تجردت عن القيم الرّوحية الدّينية، كما قال شاعر النّيل:

٢٬٤٧٦ / ٦٬٧٦٧