سورة هود
الجزء ٨ · صفحة ٣٣٦والجملة شرطية مؤكدة بالقسم، وجواب الشّرط والقسم قوله تعالى: (لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُه)، والعذاب الذي يستعجلون نزوله تهكّما هو المقصود من قول رسول الله لهم: (وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ) (هود:3). واستعجالهم له بقولهم: (مَا يَحْبِسُهُ)، ينمّ عن التّهكّم والاستهزاء ظنا منهم أن تأخّره عنهم لفترة معينّة وفق سنّة الله وحكمته في تقدير الأمور إنما هو عجز، ولذلك جاء سؤالهم عن سبب تأخّره وحبسه، أي أنّه لا يقع بتاتا، فأجابهم الله على إنكارهم كما يقرّعهم ويخوّفهم مصدّرا الإخبار بأداة التّنبيه: "أَلاَ" للاهتمام بمضمون ما يأتي بعدها، بأنّ ما أنذروا به من العذاب هو آتٍ -لا محالة- في الوقت الذي قدّره الله ولا يصرفه عنهم صارف، بل سيشملهم ويحيط بهم من كل جانب فلا خلاص لهم منه، وذلك بسبب استهزائهم وتماديهم في الإنكار. وجاء الفعل: (حَاقَ بِهِم) بصيغة الماضي للدلالة على تحقق وقوعه.
ثم بيّن الله تعالى موقف الإنسان أزاء الاختبار المذكور في تعليل خلق السّماوات والأرض: (لِيَبْلُوَكُمُ أَيُّكُمُ أَحْسَنُ عَمَلاً)، فقال تعالى: (وَلَئِنَ اََذَقْنَا الاِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورٌ، وَلَئِنَ اَذَقْنَاهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّيَ إِنَّهُ’ لَفَرِحٌ فَخُورٌ).
بعد بيان حكمة الله في تأخير العذاب، وكيف أن أهل الكفر والضّلال تبطرهم النّعمة، فيسخرون من إنذار الرّسول، عطف على ذلك بيان صفات ذميمة في الإنسان إذا أخطأه الصّبر والإيمان، وهي أنه في غمرة زهوه بنعمة حظي بها، ينسى واهب تلك النّعمة، ويسهو عن تقلبات الأحوال، ويتمادى في لذّاته جاحدا ضالاّ. ويبدو هذا الإنسان في موقفين مختلفين يكون فيهما بين يأس وقنوط أو فرح وفخر: