نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة هود

الجزء ٨ · صفحة ٣٣٧

أ) - (وَلَئِنَ اََذَقْنَا الاِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورٌ): جاء التّعبير بضمير العظمة تذكيرا بالخالق الرّحيم واهب النّعم ومقدّر النّقم، كما أن التّعبير بفعل: (اََذَقْنَا) جاء للدلالة على إدراك كمال اللّذة المشتهاة، وعلى التّقليل من أمد حصولها، حتى إذا حرمها الإنسان وانتزعت منه ركبه اليأس والقنوط، وكفر بما يتمتع به من النّعم الأخرى. وجيء بالوصفين على صيغة المبالغة وأكّدت الجملة بمؤكدين "إن" و"اللام" للدّلالة على رسوخ تلك الحالة في الإنسان إذا حرم من فضيلتي الصّبر والشّكر.

ب) - (وَلَئِنَ اَذَقْنَاهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّيَ إِنَّهُ’ لَفَرِحٌ فَخُورٌ): وعلى العكس من الحالة الأولى، إذا كشف الله عنه الضرّ وأصاب بعده نعمة يكون في هذه الحالة أشدّ من الحالة الأولى تلذّذا ومتعة، ذلك لأن مسّ الضّراء يمرّ عابرا عليه، كما أنّ إدراكه للنعماء بعد ذلك يكون أشدّ تأثيرا في نفسه لما عاناه قبلها من أثر الضّراء، لأنه بضدّها تتميّز الأشياء.

وهذا المعنى هو يدلّ عليه استعمال فعلي "أذاق" و"مسّ" في الحالتين، ويؤكّد معنى القوة في التّلذذ بالنّعماء قوله في جواب الشّرط: (ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّيَ)، إنه الغرور والإعجاب بنفسه، والنّظرة القاصرة على الحاضر المعيش، حتى لكأن الزّمان قد توقف في نظر هذا المغرور المتعجرف، إذ نسي ما ألمّ به في الماضي، وتغافل عما يخبّئه المستقبل، إمعانا في الزّهو والفرح والفخر.

وفي سورة فصّلت نظير هذا المعنى وزيادة في تجسيد الغرور والزّهو بالمستقبل في هذا الإنسان إذ قال تعالى: (وَلَئِنَ اَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِنم بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّيَ إِنَّ لِي عِندَهُ’ لَلْحُسْنَى) (فصلت:50).

٢٬٥٦٣ / ٦٬٧٦٧