سورة هود
الجزء ٨ · صفحة ٣٥٣بعد الحديث عن فريقين من النّاس: المريدين للحياة الدّنيا وزينتها، والذين هم على بيّنة من ربّهم، انتقل السّياق إلى بيان حال الفريقين بدءا بالفريق الأول المستحق للنار على كفره وجحوده وقد كرّ الله عليهم في هجمة قوية شديدة إذ بلغوا غاية الظّلم في موقفهم الشّائن فقال جلّ من قائل: (وَمَنَ اَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً اُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الاََشْهَادُ هَؤُلآَءِ الذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمُ أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ، الذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُم بِالاَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ).
تصدرت هذه الجملة المعطوفة بأداة استفهام إنكاريّ لإفادة معنى النّفي، واختيار صيغة التّفضيل: "اَظْلَمُ"، للدلالة على أن المتحدث عنهم قد بلغوا غاية الظّلم، بافترائهم على الله الكذب بإثبات الولد له أو الشّريك، وإنكار ما أنزله على رسله، والالتفات عليه بتحليل ما حرّم وتحريم ما أحلّ.
(اُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ): الإشارة إلى أولئك المفترين على الله ليخبر الله عنهم بما يستحقونه من الزّجر والنّقمة، إذ يفتضحون أمام الخلائق بعرض أعمالهم للمحاسبة والجزاء، غير أن المشهد يذكر عرض ذواتهم دون ذكر أعمالهم، لأن ذلك أفظع وأوغل في الافتضاح. والإسناد مجازيّ لأن الله منزّه عن التّحيّز وهو عالم بهم وبأعمالهم. ولمزيد من النّكاية بهم عطف على مشهد العرض الإدلاء بشهادة الأشهاد -وهم على الأرجح الملائكة والأنبياء وصالحو المؤمنين-وهم يشيرون إليهم لمزيد من الافتضاح أمام النّاس إذ يقولون عنهم: (هَؤُلآَءِ الذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمُ أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ، الذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُم بِالاَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ).