سورة هود
الجزء ٨ · صفحة ٣٨٥لقد فُتِن علماء البلاغة بهذه الآية، واعتبروها أبلغ آية في كتاب الله العزيز، وتنافسوا في بيان الأوجه الفنية البلاغية في تفصيل مطوّل، يقول صاحب المنار في شأنها ما يلي: "قرّر علماء البلاغة الفنية أن هذه الآية أبلغ آية في كتاب الله العزيز أحاطت بالبلاغة من جميع جوانبها: المعاني والبيان والبديع، وإنّ مثل هذا التّفاضل بين الآيات التي يقتضيه الحال والمقام لا ينافي بلوغ كل آية في موضعها وموضوعها درجة الإعجاز، ولا يعدّ من التّفاوت المعهود في كلام أشهر البلغاء كأبي تمام والمتنبي وكذا غيرهما من شعراء الجاهلية ومن بعدهم في الدّرجات الثّلاث العليا والسّفلى وما بينهما، فآياته كلّها في الدّرجة العليا المعجزة للبشر".(1)
قلت: إن تذييل مشهد الإغراق للظالمين الكفرة بالدّعاء عليهم بالطّرد والبعد يشعر بشدّة غضب الله عليهم بإنزال ذلك السّخط الذي يجعلهم مبعدين عن الوجود الإنساني لأنه لا يستمرّ على الظّلم، ومبعدين عن رحمة الله لأن الشّرك به ظلم عظيم.
(وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ’ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنَ اَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ، قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ’ لَيْسَ مِنَ اَهْلِكَ إِنَّهُ’ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلَنِّ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ اِنِّيَ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ، قَالَ رَبِّ إِنِّيَ أَعُوذُ بِكَ أَنَ اََسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ):
(1) 1 - محمد رشيد رضا، تفسير المنار، 12/ 80.