سورة هود
الجزء ٨ · صفحة ٣٨٦المتبادر إلى الذّهن في تسلسل الأحداث أن يكون هذا النّداء الثّاني من نوح عليه السلام إثر محاولته مع ولده العاق أن ينقلع عن الكفر ويركب السّفينة، وهو يدرك أنه إن بقي في معزل يكون من المغرقين. وبدافع من عاطفة الأبوّة الحنونة التجأ إلى الله بدعائه يسأله سؤال استعطاف وكشف عن حال ولده، على اعتبار أنّه من جملة أهله الذين وعده الله بإنجائهم. سأل نوح ربّه وهو مترفّق في دعائه لله بالتزامه لآداب الدّعاء، بأن أضفى على الله صفات الكمال في إنجاز الحقّ والعدل في ما يحكم به لعباده.
قلت: إن التّسلسل يقتضي أن يتتابع النّداءان، غير أن الأداء البلاغيّ لتلاحق أحداث القصة اقتضى هذا التّقديم والتّأخير، على اعتبار أن هذا النّداء الثّاني ليس من صلب القصّة، بل هو مسألة فرعية لتقرير ما توحي به من العقائد وأصول الدّين، إذ المراد من نوح أن يطلب من ربّه النّجاة لابنه، لا أن يطلب له المغفرة بعد أن يتيقن من غرقه كما ذهب إلى ذلك بعض المفسّرين، ولذلك كان مترفقا في دعائه باستعماله أسلوب التّلميح في تردّد وإشفاق. ولكن الرّدّ الإلهي جاء حاسما عليه مسحة التّأنيب والتّوبيخ، مع الإقناع والتّعليل: (إِنَّهُ’ لَيْسَ مِنَ اَهْلِكَ إِنَّهُ’ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ).
هكذا يجيء النّفي القاطع المؤكد بعدم أهلية الولد لنوح عليه السلام لا من حيث الدّم والنّسب، ولكن من حيث قرابة الدّين والعقيدة؛ لأن الكفر يقطع الولاية بين المؤمنين والكافرين، فهي المقاصمة التّامّة بين الفريقين قال تعالى: (لاَ تَجِدُ قَوْماً يُومِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللهَ وَرَسُولَهُ’ وَلَوْ كَانُواْ ءَابَآءَهُمُ أَوَ اَبْنَآءَهُمُ أَوِ اِخْوَانَهُمُ أَوْ عَشِيرَتَهُم) (المجادلة:22).
وهذا هو حكم الله العادل في خلقه: (وَمَنَ اَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة:50).