نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة هود

الجزء ٨ · صفحة ٣٨٧

لقد أكّد الله لنوح حقيقة ولده بما لا يدع له مجالا لتوقع صرحه، فهو لا محالة من الهالكين، فتفرّع عن ذلك النّهي التأنيبي له أن يسأل من الله ما ليس له به علم ويحذره أن يكون من الجاهلين. ومن الجهل في الدّعاء أن يطلب الإنسان من الله الحكيم العادل أن يعطّل سننه في خلقه، والتي تقوم على القسط والعدل، فلا محاباة لأحدهم بقرابة أو نسب أو بحظوة وجاه. لقد اجتهد نوح فأخطأ، والخطأ في الاجتهاد لا تترتّب عليه معصية عند البشر العاديّين، ولكن ذلك بالنّسبة للأنبياء يعدّ تجاوزا للأدب مع الله. وقد استشعر ذلك نوح نفسه فبادر إلى الاستغفار والتّوبة والعياذ بالله من الجهل: (قَالَ رَبِّ إِنِّيَ أَعُوذُ بِكَ أَنَ اََسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ).

والاستغفار من الذّنوب بالنّسبة للأنبياء لا يستلزم أن يكون من ذنب عظيم، وإنما هو من باب ترك الأفضل -أحيانا- بما يليق من مقامهم الرّفيع عند الله، إذ يقعون في ذلك أحيانا ليشعروا بنقصهم البشري ويلتجؤا إلى الله لإكمال ذلك النّقص.

لقد أنجز الله ما وعد لنبيّه، برسوّ السّفينة على برّ الأمان، فكيف تنطلق الحياة من جديد ولم يترك الطّوفان إلا الفراغ والفناء. ومرة أخرى تتدخل عناية السّماء، فيتلقّى نوح بسلام الملأ الأعلى، وتباركه عناية الله مع كلّ من معه حتى تتفرع منهم الأجيال، وتمضي سنّة الله في الخلق في مصيرهم على أساس الكفر والإيمان، زكاء ونماء أو محقا وفناء.

(قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ اَلِيمٌ):

٢٬٦١٣ / ٦٬٧٦٧