سورة هود
الجزء ٨ · صفحة ٤٦١بعد بيان ما لحق بالأمم الظّالمة من عذاب الاستئصال، وحوصلة ذلك بقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ)، ثم إنذاره تعالى للمشركين من قوم رسول الله وإرشاده لما يجب عليه وعلى من اتّبعه من الاستقامة والصّلاح واجتناب أهل الظّلم، بعد تلك الجولة بيّن الله في هذه الآيات سننه العامّة في تدبير أمور البشر وحكمته في إقرار أوضاعهم فقال جلّ من قائل: (فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمُ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الاَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنَ اَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ، وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ).
في الآية تعرّض لسبب ما أصاب تلك الأمم من الهلاك وهو يتمثل في شيئين:
أ) - فقدها لفئة صالحة تنهي عن الفساد في الأرض، والتّعبير بأداة التّحضيض: "لَوْلاَ"، والوصف: بِـ (أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ) يشي بامتياز تلك الفئة الصّالحة، لأن لفظ: "بَقِيَّةٍ" يكون مثلا للجودة لأنّ الرّجل إنمّا يستبقى مما يخرجه أفضله وأجوَده وقد جرى التّعبير عن الأخبار الصّلحاء بـ"البقية". والمعنى: فهلاّ وجدت في تلك الأقوام الماضية والذين أهلكناهم بظلمهم، هلاّ وجدت فيهم جماعة صالحة ينهونهم عن الفساد في الأرض فيحول ذلك دون هلاكهم.
وقوله تعالى: (إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنَ اَنجَيْنَا مِنْهُمْ) استثناء منقطع، أي أنّ المستثنى غير داخل في الحكم السّابق، إذ كان يوجد في تلك القرون أولو بقية تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، ممن أنجاهم الله مع الرّسل، ولكنها قلّة مغمورة، ليس لها أي تأثير في الكثرة الظّالمة.