سورة هود
الجزء ٨ · صفحة ٤٦٢ب) - اتّباع تلك الكثرة الظّالمة لشهواتهم حتى أبطرتهم النّعمة، فأعرضوا عن رسلهم ووقعوا في الإجرام الذي يؤدّي في نهاية المطاف إلى الهلاك والدّمار، وبذلك جرت سنّة الله في أوضاع الاجتماع البشري، كما قال تعالى في سورة الإسراء: (وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً اَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً) (16).
(وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ): ودفعا لتوهّم أيّ ظلم من الله لأولئك المجرمين، جاء النّفي بـ"لام" الجحود لنفي أيّ ظلم عن الرّبّ الرّحيم يسلّطه على خلقه حالة كونهم مصلحين، وهذه الصّفة على عمومها هي مقابل الإفساد في الأرض الذي جعل سببا للهلاك والدّمار. والإهلاك يراد به هنا الإهلاك العاجل كما حدث للأمم السّابقة. وقيل: إنّ المراد بالظّلم هنا ما كان من الشّرك في المعتقد مع كون أهل القرى مصلحين في أعمالهم الاجتماعية وفي معاملاتهم لبعضهم بعض، بحيث تحترم الحقوق العامة ويلتزم بآداب السّلوك النّظيف، فإن الله يملي لمثل هؤلاء، على القاعدة التي تقول: "تدوم الأمم على الكفر، ولا تدوم على الظّلم". ويؤيّدها قوله صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن تفسير هذه الآية فقال: «وأهلها ينصف بعضهم بعضا».(1)
(1) 1 - رواه الطبراني في المعجم الكبير من حديث جرير موقوفا، رقم 2281، وفي سنده عبيد بن القاسم الكوفي وهو متروك، (الهيثمي، مجمع الزوائد، 7/ 39).