سورة البقرة
الجزء ١ · صفحة ٢٧المحاور الأساسية للسورة
نجد السورة الكريمة قد ركّزت على محورين أساسين:
أ - المحور الأول:
(1) - رواه مسلم عن أبي أمامة الباهلي في كتاب التفسير، باب فضل قراءة القرآن و فضل سورة البقرة، حديث 804، 1/ 553.
الحوار اللطيف مع بني إسرائيل وتذكيرهم بنعم الله عليهم ولطفه بهم في مراحل مسيرتهم من خروجهم من مصر وتحريرهم من جبروت فرعون إلى أمرهم بالدّخول إلى الأرض المقدّسة، والغرض من ذلك هو دعوتهم إلى التّصديق برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومناقشتهم في ما كانوا يثيرونه من الشبهات، والتشكيكات حول الرّسالة المحمدية حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبيّن لهم الحق الذي جاء به الرّسول وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم.
فإذا ثبت من الروايات الصحيحة أن سورة البقرة من أوّل القرآن نزولاً بالمدينة المنورة، فإنّ جوار المسلمين لأهل الكتاب أي اليهود يستدعي ذلك الموقف لإقامة الحجّة عليهم وإقناعهم بالتي هي أحسن، ويأخذ هذا المحور حيّزاً كبيراً من السّورة بدءًا من قوله تعالى: (يَا بَنِي إِسْرَآءِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ اَلتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) إلى آخر آية البرّ في قوله تعالى: (لَّيْسَ الْبِرُّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ).
ب - المحور الثاني:
يتناول كثيراً من الأحكام التّشريعية التي تقتضيها طبيعة الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في ظلال الدولة الإسلامية الناشئة، ومن ذلك:
- أحكام القصاص في القتل العمد والعدوان.
- أحكام الوصية.
- أحكام الصيام والاعتكاف.
- أحكام الحج والعمرة وأن الأهلّة هي مواقيت للناس.
- التحذير من أكل أموال الناس بالباطل، ثم ذكرت أوجهاً من التّوثيق المالي بكتابة الدين والإشهاد عليه والرّهن عند انعدام الكاتب الخ ....
- كما تعرّضت لأنواع من المال الحرام كالربا والميسر والخمر.
- وفي موقف الإسلام من المشركين، حرّم مصاهرتهم، ثم بيّن أحكام قتالهم سبباً ومقصداً وغايةً
وفي إطار الأسرة تعرّضت السورة لما يلي:
- حكم حيض النساء والتطهّر منه.
- الطّلاق والعدّة والخلع والإيلاء.
- الرّضاع والكفالة والإنفاق.
- التحريض على الإنفاق في سبيل الله وبيان فضله.
-حكم الأيمان وكفارة الحنث.
ويبدأ هذا السياق من قوله تعالى: (يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى)، وعلى أسلوب القرآن في مزج الوعد والوعيد يتخلّل تلك الأحكام ما يدعو المؤمنين إلى التزامهم بتلك الأحكام وعدم تجاوز حدودها مما يحقّق لهم سعادة الدّارَين، ثم يختم السورة ببيان شامل لعقيدة المؤمنين: (- امَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالمُومِنُونَ) مقرونة بالدعاء لله تعالى مُشرّع تلك الأحكام على قاعدة اليسر ورفع الحرج، ليستلهم منه المؤمنون الرّشد والهداية ويطلبون منه المغفرة والرّضوان والنصرة على الكافرين، ونجد ذلك الارتباط الوثيق في أغراض السورة والتناسق بين أوّلها وآخرها، وصدق الله العظيم إذ قال: (وَلَوْكَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَبِيراً) (النساء:82)