سورة يوسف
الجزء ٩ · صفحة ١٦(إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ اِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ):
(إِذْ قَالُواْ): إذ للظّرفية الزّمانية لوقائع القصة، التي بدأت بقول الإخوة لبعضهم بعض في غيرة منهم على يوسف وتآمرهم عليه مقسمين: مستخّفين بموقف أبيهم في ميله العاطفي ليوسف وأخيه، وقد افتتحوا مقولتهم بلام الابتداء: (لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ): للتأكيد على تحقيق الخبر بحيث يكونون كلهم متيقنين بغلبة حبّ الأب ليوسف وأخيه دونهم، ويزداد حنقهم في ذلك أن يكون يوسف وأخوه أصغرهم سنّا، وهم العصبة الأشدّاء يكفلون أباهم ويحمونه من كل ما يؤذيه. وجيء باسم التّفضيل: (أَحَبُّ): للدّلالة على أن النبي الكريم: "يعقوب" لا يفتقد الحبّ الأبويّ الفطريّ لجميع أولاده. غير أن الأولاد الغيورين وقعوا في خطإ كبير في الحكم على أبيهم بالضّلال المبين؛ إذ لا يمكن لنبي أن يعامل أولاده بالتّمايز وعدم المساواة بينهم في الأمور الظّاهرية المتعلقة بالتّربية المثلى. اللّهم إلا ما يكون من الميل العاطفي بدافع الإشفاق على صغرهما ويتمهما، سيما وقد ظهرت فيهما مخايل النّجابة والعقل والحكمة. ثم لا ننسى ما يقع بين الأولاد طبيعيا إذا تعدّدت أمّهاتهم وكان الأب يؤثر بعضهن على بعض في الميل العاطفيّ. وكان رسول الله يعدل بين أزواجه في الحقوق الظّاهرية، ويطلب من الله أن لا يؤاخذه بعد ذلك في ما لا يملكه من الميل العاطفيّ. فلم يكن يعقوب عليه السلام ليقع في ذلك الخطإ الموهوم لدى أولاده الكبار بغلبة الغيرة والحسد عليهم، وقد انتبه يعقوب لعاقبة ما ينتج عن ذلك فأمر ولده أن لا يقصص رؤياه على إخوته. غير أن حكمة الله شاءت أن يحدث ما ليس منه بّد. إذ نسج الإخوة خيوط المؤامرة فقال بعضهم لبعض:
(اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِنم بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ):