سورة يوسف
الجزء ٩ · صفحة ٧٨المقصود بالملك هو صاحب التّاج الأعلى في مملكة مصر. وهو المسمّى: "الرّيّان بن الوليد" كما تقدّم. وأما العزيز فكان من مستشاريه الخلّص تلك المنزلة التي أرادها الملك ليوسف، إذ قال: (أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي): بمعنى أقرّبه إليّ بحيث لا يدانيه أحد في منزلته منّى. ولم يمنحه الملك ذلك الامتياز إلا بعد أن وثق بحنكته وحكمته وعلمه. وذلك من خلال تفسيره للرّؤيا، ثم من حسن كياسته وأدبه عند لقاء الملك وقد أجمل النّصّ مضمون تلك المقابلة بجملة: (فَلَمَّا كَلَّمَهُ’): فالمكلّم هو الملك من طرف يوسف عليه السلام فلا عجب لمثل هذا الفتى الصّديق أن ينال تلك الحظوة وهو النّقي الزّكيّ الذي أنشأه الله على عينيه، وصهرت معدنه المحن التي مرّ بها، فلم تزلّ به قدم، ولم تنل من عزمه وصبره تلك الشّدائد. ومن ثمّ حصل على ثقة الملك فكان محلّ اختياره لمهمّة تدبير شؤون المملكة سياسيا واقتصاديا: (قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ اَمِينٌ): القائل هو الملك. واختيار الظّرف: (لَدَيْنَا): بدلا من "عندنا" هو أعظم دلالة على المنزلة والقربى. كما أن اختيار الصّفتين: (مَكِينٌ اَمِينٌ): للدّلالة أن تلك المسؤولية تقتضي العلم والقدرة من جهة، وتقتضي الأمانة والنّزاهة في التّصّرف من جهة أخرى وللظرف الزّمني في قوله: (الْيَوْمَ): دلالته –أيضا- في قرار الملك الذي يعتبر في نظام الحكم اليوم بمثابة المرسوم الرّئاسيّ الملزم. فإن يوسف اليوم في نظر الملك لم يعد ذلك العبد السّجين المتهم في عفته وأمانته. بل كان وصف الملك له بعلوّ المكانة والأمانة يؤهّله بجدارة لتولّيه مسؤولية التّخطيط والتّدبير.