نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة يوسف

الجزء ٩ · صفحة ٧٩

ولذلك جاءت إجابته متضمّنة لذلك إذ قال: (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الاَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ): فليس في طلبه هذا تهافت على كرسيّ الحكم، ولا طمع لتحقيق منفعة شخصية، ولا هو من تزكية النّفس غرورا وعجبا، مما نهى الله عنه، بل هو على قاعدة شعار ما نسمّيه اليوم: "الرّجل المناسب في المكان المناسب". لأنه من شكر المنعِم أن يعرف المنعَم عليه قدر تلك النّعمة وأن يتحدث بها في مقامات القدوة والدّعوة إلى خدمة الصّالح العامّ. وهو يقدّر بعد ذلك مقام المسؤولية ويستعظم عواقبها. ويوسف إذ يطلب من الملك تولية الإشراف على خزائن الأرض يعلّل طلبه ذلك بصفتين هما من مستلزمات تحمّل تلك المسؤولية وذلك بقوله: (إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ):

أ) - فهو الخازن الأمين: يتصرّف في المخزون من المؤن وفق ما تقتضيه ظروف البلاد في حالتي الخصب والجدب، بما يحقق التّوازن المعيشي للعباد.

ب) - وهو العليم في توفير الآليات التي تحقق ذلك، ممن نصفهم اليوم: "بالخبراء الاقتصاديين".

فما أسعد البلاد التي تسند أمورها لذوي الكفاءات علما وأخلاقا وسلوكا.

ولا يعارض هذا الطّلب لتقلّد المسؤولية. ما نهى عنه الرّسول صلى الله عليه وسلم في قوله: «إنا -والله- لا نولّى هذا العمل أحدا سأله. (أو حرص عليه)».(1) لا تعارض في ذلك لأن ذلك النّهي لا يمكن أن يؤخذ على إطلاقه. فظروف الأمّة تختلف من حيث المستوى الاقتصادي ومن حيث النّضج السّياسي، ومن ثمّ فإن وفرة الكفاءات وضحالتها في أمة من الأمم يكون لها الاعتبار في ذلك النّهي إيجابا أو سلبا. وقصّة بنت: "ماخوس" مع أحد شيوخ الجبل تصبّ في هذا المعنى. وذلك عندما استشارها في تقلّد مسؤولية القضاء، فأجابته: "إن كنت تعلم أن في البلاد من هو أولى منك فقبلت بها فأنت في النّار، وإن كنت تعلم أن لا أحد أولى منك بها فرفضتها فأنت في النّار".

(1) - الحديث: متفق عليه.

٢٬٧٨٠ / ٦٬٧٦٧