سورة يوسف
الجزء ٩ · صفحة ١٠٠أراد يوسف أن يستبقي عنده أخاه الصّغير. فلا بدّ من حيلة يستند إليها ليبرّر بها لاخوته ذلك البقاء. فقد أتمّ غلمان يوسف بتجهيزهم بما طلبوه من الطّعام. وتهيّأوا للرحيل. فأمر يوسف أن يضع الغلمان سقاية الكيل في رحل أخيه "بنيامين" دون علم منهم. وعندما تهيّأوا للانطلاق. نادى مناد بصوت مكرّر: (اَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ): وصحّ لأن تنادى العير بصيغة التّأنيث لما تقدم أن اللّفظ اسم لمجموعة ثلاثة أشياء: الدّوابّ وما تحمله وما معها من الرّكاب.
ويبدو من حركة المشهد أن يوسف عليه السلام عندما عمد إلى هذه الحيلة فأمر أحد الغلمان بإخفاء المكيال في رحل أخيه. وتمّ ذلك دون علم من الغلمان الآخرين. ولذلك بادروا بإلقاء تهمة السّرقة على إخوة يوسف في ذلك النّداء: (إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ): لأن الحرص على المكيال هو من صميم مسؤوليتهم أمام الملك. وإضافته إلى الملك في قولهم: (نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ): يدلّ على أن ذلك الإناء كانت له قيمة كبرى. حتى قيل إنه من فضة مموهّة بالذّهب ولا شك أن حركة الغلمان واستنطاقهم لأصحاب العير كان بمحضر يوسف، وهو يترقب ما ستسفر عنه بعد وجود الصّواع في رحل أخيه، سيما رتب المنادي جعلا لمن يأتي به. وهو أن يضاف إليه حمل بعير، ويضمن ذلك بكفالته –وقيل إنه كبير الغلمان- وفي الآية دلالة على جواز الجعل والكفالة يقول قطب الأئمّة –رحمه الله-:
"وفي الآية جواز الجعل قبل الشّروع في العمل وقبل الفراغ. وأنا أختار أن شرع من قبلنا شرع لنا، إذ ألم يجيء ما ينقضه من القرءان أو السّنة أو الإجماع أو حجة ترجع إلى شيء من ذلك".(1)
وتوكيد التّهمة يقتضي نفيها بأوكد منها. ولذلك أجابوا بصيغة القسم: (قَالُواْ تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الاَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ): فقد حلفوا على أمرين وهم متأكدون من براءتهم:
(1) – تيسير التّفسير: ج07 - ص171.